محمد بن سلطان الساعدي
من أجمل الأقسام التي عملت بها. قسم التعقيم (CSSD) كان ذلك عام 2005، حقيقة كان من أروع الأقسام ليس في مجال العمل فقط؛ بل من حيث تعاون الإخوة والأخوات في ذلك القسم الحيوي؛ فكنت أحس نفسي في جو بيت عائلي كبير والكل يرحب بك، ولم أذكر يوما وحتى انتقالي أن رأيت معاملة أو وشاية؛ بل بالعكس حينما صدر قرار نقلي مُغادرًا القسم أقامت الأخوات لي حفل وداع تمثل في عدة هدايا ولم أنسَ هذه اللحظة.
لم أحظ بتكريم بعده، حتى وأنا أتقاعد من عملي في جزيرتي كانت فعلاً لحظة فارقة في حياتي في هذا القسم وكثير من الأقلام الصحفية لم تكتب عن هذا القسم الذي يستحق الإشادة والتقدير. حينما دخلته أول مرة، أصابني الذهول فكأني داخل مصنع كبير ويومها رأيت الجميع منكبًا على الأدوات التي تأتي إليهم من كافة أقسام المستشفى، يومها أدركت أنني أمام قسم غير عادي، ولكن دوره منسي وقتها، وعلى أقل تقدير في أيامنا تلك، وكان في زاوية لا تكاد تراه كبقية أقسام مستشفى خولة، فقط ترى موظفيه بزيهم الأخضر وهم يمرون على الأقسام بشعلة نشاط وتوزيع الأدوات على الأقسام.
هناك أدوار أساسية في المنظومة الصحية لا تحظى بما تستحقه من تسليط الضوء؛ فكثيرًا ما نقرأ عن جهود الأطباء والممرضين، وهو تقدير مستحق، لكن نادرًا ما يُذكر الشباب والشابات العاملون في قسم التعقيم، رغم أن عملهم يشكل خط الدفاع الأول في مكافحة العدوى داخل المستشفى.
قسم التعقيم ليس مجرد وحدة فنية تتعامل مع الأجهزة الطبية، بل هو ركيزة تشغيلية ترتبط مباشرة بجودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى. كل أداة جراحية تمر عبر هذا القسم تخضع لسلسلة دقيقة من الإجراءات: الاستلام، الفرز، الغسل، الفحص، التغليف، التعقيم، ثم إعادة التوزيع. أي خلل في هذه السلسلة قد ينعكس على سلامة المريض ويؤثر على سمعة المؤسسة الصحية بالكامل.
الشباب العاملون في هذا القسم يتحملون مسؤولية عالية تتطلب تركيزًا وانضباطًا ومعرفة بالإجراءات القياسية. العمل يتم وفق بروتوكولات معتمدة، وتحت ضغط الوقت، خصوصًا في الأيام التي تزداد فيها العمليات الجراحية. ورغم أن طبيعة العمل خلف الأبواب المغلقة، إلا أن أثره يمتد إلى كل غرفة عمليات وكل قسم سريري.
من الناحية الاقتصادية، يسهم قسم التعقيم في خفض التكاليف غير المباشرة المرتبطة بالعدوى المكتسبة داخل المستشفيات. العدوى تعني أيام إقامة إضافية، وأدوية أكثر، واستخدام موارد إضافية. بالتالي، فإن كفاءة التعقيم لا تحمي المرضى فقط، بل تحمي ميزانية المؤسسة الصحية وتدعم استدامة خدماتها. كما أن وجود كوادر وطنية شابة في هذا القسم يعكس استثمارًا في رأس المال البشري. هؤلاء الشباب يكتسبون خبرة فنية دقيقة، ويطورون مهارات في إدارة الوقت والجودة والالتزام بالمعايير. هم جزء من منظومة متكاملة تعتمد على العمل الجماعي والانضباط المهني.
ما يحتاجه قسم التعقيم ليس الثناء العاطفي، بل الاعتراف المؤسسي بدوره، وتوفير التدريب المستمر، وتحسين بيئة العمل، وإدراجه ضمن الخطاب الإعلامي الصحي عند الحديث عن جودة الخدمات. فالرعاية الصحية ليست فقط من يظهر أمام المريض، بل أيضًا من يعمل بصمت لضمان سلامته.
إن الحديث عن تطوير القطاع الصحي لا يكتمل دون إنصاف الأقسام المساندة، وفي مقدمتها قسم التعقيم. فهم بحق جنود الخفاء الذين يحرسون سلامة المرضى من حيث لا يُرى أثرهم، لكن يُلمس تأثيرهم في كل إجراء ناجح وكل عملية آمنة، إن هذا القسم. يستحق الحوافز والترقيات وغيرها لما يقدمه لنا. وليس في سلم الأولويات والاهتمامات أعز وأغلى وأعلى من الوطن والمواطن أليس كذلك؟!
