إسرائيل تستبيح القانون وتختطف العدالة الدولية

 

خالد بن سالم الغساني

 

في لحظةٍ تاريخية فارقة من تاريخ المنطقة، يأتي بيان سلطنة عُمان ليعبّر بوضوح عن موقفٍ يتكئ على القانون الدولي، ويرتكز إلى الحكمة، ويحذّر من انزلاقٍ خطير نحو هاوية صراعٍ واسعٍ لا تُعرف حدوده ولا تُحمد عواقبه. إنّ العمليات العسكرية التي تُشنّ خارج مظلة الشرعية الدولية، وبعيداً عن قراراتٍ جماعية تصدر عن مؤسسات العالم المعترف بها، تمثل انتهاكاً صريحاً لمبدأ سيادة الدول، وتحدياً فجاً لمنظومةٍ قانونيةٍ نشأت أصلاً لتمنع شريعة الغاب من أن تحكم العلاقات بين الأمم.

إنّ أخطر ما في هذه الاعتداءات ليس فقط ما تُخلّفه من دمارٍ مباشر، بل ما تزرعه من سابقةٍ خطيرة تُجيز لدولٍ بعينها أن تنصّب نفسها قاضياً وجلاداً في آنٍ واحد. حين تُقصف دولةٌ ذات سيادة بذريعة “الأمن” أو “الردع”، دون تفويضٍ دولي واضح، فإن الرسالة الضمنية للعالم هي أن ميزان العدالة لم يعد في يد المؤسسات، بل في يد القوة العسكرية. وهذا انحدارٌ خطير يُقوّض الأسس التي قامت عليها الأمم المتحدة، ويضرب في الصميم مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية.

لقد شدّد البيان العُماني على ضرورة تعليق الأعمال العسكرية فوراً، والدعوة إلى اجتماعٍ عاجلٍ لمجلس الأمن. وهذه الدعوة تنبع من ضرورة أخلاقية وقانونية. فمجلس الأمن، مهما اختلفت المواقف داخله، يظل الإطار الشرعي الوحيد المخوّل بإدارة الأزمات الدولية الكبرى. أما تجاوزُه، فهو إعلانٌ ضمني بأن القانون الدولي انتقائي، يُطبّق حين يخدم مصالح الأقوياء، ويُهمَل حين يُقيّد نزعاتهم.

ولا يمكن إغفال أن مثل هذه الضربات لا تُقرأ بمعزلٍ عن سياقاتٍ استراتيجية أوسع؛ فالمنطقة تعيش منذ عقودٍ صراعاً مركّباً تتداخل فيه اعتبارات الأمن، والنفوذ، وإعادة رسم خرائط التوازن. إن استهداف دولةٍ محورية في الإقليم يحمل دلالاتٍ تتجاوز الحدث العسكري ذاته؛ فهو رسالة ردعٍ، ومحاولة إعادة صياغة معادلات القوة، وربما سعيٌ لإضعاف طرفٍ يُنظر إليه باعتباره لاعباً أساسياً في معادلات الردع الإقليمي. في هذا الإطار، تُطرح تساؤلات حول الأهداف بعيدة المدى: هل المقصود تحجيم نفوذٍ سياسي وعسكري؟ أم فرض معادلةٍ جديدة تُعيد ترتيب أولويات المنطقة بما يخدم رؤيةً أمنية محددة؟

غير أن التاريخ يُعلّمنا أن الضربات العسكرية، مهما بلغت دقتها، لا تُنهي الأزمات السياسية العميقة، ولا تُنتج استقراراً دائماً. على العكس، كثيراً ما تؤدي إلى توسيع رقعة الاشتباك، وإلى تغذية دوامات ردّ الفعل المتبادل، بما يُهدّد شعوب المنطقة كلها، لا دولةً بعينها. إن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على إقصاء طرفٍ أو إضعافه بالقوة، بل على معادلة توازنٍ تُراعي مخاوف الجميع، وتستند إلى حوارٍ صريح ومسؤول.

 

من هنا، تبرز قيمة الموقف العُماني الذي يجمع بين تأكيد حق الدول في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي، والدعوة في الوقت ذاته إلى ضبط النفس وتغليب الدبلوماسية. فالقانون الدولي لا يجيز العدوان، كما لا يُنكر حق الدفاع المشروع، لكنه يشترط التناسب، والضرورة، والاحتكام إلى الأطر الجماعية. وأي خروجٍ عن هذه الضوابط يُحوّل العالم إلى ساحة صراعاتٍ مفتوحة.

إنّ المرحلة تتطلب شجاعةً سياسية لا تقل عن الشجاعة العسكرية: شجاعة الاعتراف بأن الحلول الدائمة لا تُصاغ فوق ركام المدن، ولا تُفرض بالقوة؛ بل تُبنى عبر تسوياتٍ عادلة تضمن كرامة الدول وسيادتها، وتحفظ الأمن الإقليمي بعيدًا عن منطق الهيمنة. وحين يُستباح القانون، فإن الخاسر الأكبر ليس دولةً بعينها، بل النظام الدولي بأسره.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z