سيف بن سعود المحروقي
تُعدّ البنية الأساسية للدولة الركيزة التي تقوم عليها، فهي الإطار الذي يدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويُعزز جودة الحياة للمواطنين والمقيمين فيها. وعندما تهتم الدول بتطوير مرافقها من طرق وجسور وغيرها من الخدمات الأساسية، فإنها تضع أساسًا قويًا للنمو والاستقرار والازدهار.
خلال هذا الأسبوع كنت في زيارة إلى المملكة العربية السعودية، وأقوم بهذه الزيارة مع بعض الأصدقاء منذ عام 1997 في التوقيت نفسه، أي قبل قدوم شهر رمضان الفضيل بأسبوع، ولذلك يُمكنني القول إنني مطّلع على تطور الخدمات خلال تلك السنوات. وما شهدته خلال السنوات الخمسة الأخيرة إنجاز يُبهر أي زائر للمملكة، ليس فقط بحجم المشاريع، إذ يكاد لا يخلو مكان من مشروع جديد، بل أيضًا بسرعة الإنجاز وتكامل الرؤية.
مررنا بالرياض والطائف وجدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فكان المشهد واحد: عمل دؤوب في كل مكان، وحركة تطوير متقنة. الشوارع نظيفة بعناية واضحة، والتشجير يمتد على مدّ البصر جزءًا أصيلًا من التخطيط، كما توجد مسارات مخصصة للمشاة وركوب الدراجات. إنه تحول ملموس يُرى ويُعاش على أرض الواقع، ويعكس رؤية تنموية في أنسنة المدن، جعلت السعودية أكثر تنظيمًا.
هذا المشهد لم يكن موجودًا بهذا الاتساع وبهذا النسق قبل عام 2020. وما رأيناه هو تحول جذري، لا مجرد تحسينات موضعية، بل انتقال من مدن تُدار بمنطق تقديم الخدمة إلى مدن تُصمَّم بمنطق جودة الحياة وجودة الخدمات.
اللافت أنَّ التغيير لم يقتصر على الخدمات، بل طال الإنسان نفسه بوصفه محور التنمية. وجدنا الشباب والشابات السعوديين حاضرين في مختلف تفاصيل المشهد، في مواقف الحافلات، وفي المحلات، وفي أكشاك العطور، وفي مواقع كانت حتى وقت قريب بعيدة عن التوطين.
والأهم من ذلك حضور السعوديين بروح وحيوية واضحتين، وثقة بالنفس، وقدرة عالية على التواصل والإقناع، مما يعكس استثمارًا جادًا في رأس المال البشري، وتمكينًا حقيقيًا للشباب والمرأة في السعودية، جعل العمل واجهة حضارية لا وظيفة عابرة.
هذه الخدمات ليست مجرد منشآت ومرافق، بل هي شريان الحياة الذي يُغذي مختلف قطاعات الدولة، ولا يُمكن تحقيق تنمية حقيقية ودائمة إلا بالاهتمام بالمنشآت وصيانتها والحفاظ عليها، وهذا لا يقتصر على الشوارع فحسب، بل يشمل جميع الخدمات مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي، وبالتأكيد التعليم والصحة والاتصالات بكافة أنواعها.
ما تشهده المملكة العربية السعودية اليوم هو نموذج تنموي متكامل تُبنى فيه المدن بتخطيط مستقبلي. إنها مرحلة تؤكد بداية عهد مختلف، وُضعت فيه رؤية الإنسان في قلب التخطيط، فكانت النتيجة ما يُمكن رؤيته بوضوح على أرض الواقع.
