د. محمد بن خلفان العاصمي
منذ فجر التاريخ كان الإنسان العُماني ذا حكمة وبصيرة، وما تناقلته كتب التاريخ من أحداث تاريخية مرت على هذه الأرض يثبت حسن قراءة العُماني للمشاهد والأحداث، ودائمًا ما كانت الحكمة حاضرة، والسياسة كانت هي الطريق الذي حافظ على استقلال البلاد التي لم تتعرض للاستعمار بمفهومه القديم والحديث.
لقد كانت هذه الدولة حاضرة في مشهد العالم القديم بعلاقاتها وصداقاتها وقوتها وسلمها الذي آمنت به؛ فمنذ رحلات الفينيقيين والسومريين والصينيين ظلت عُمان ممر السلام، ومركز التجارة القديمة ومعبر الحضارات بين الشرق والغرب، وبقيت بفضل سياستها قبلة العالم ومناخ الفرقاء الباحثين عن طريق السلام والاستقرار، وقد قالها السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- "كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة، وَإن عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى، وسيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي"، وقد كان ما وعد به.
لقد عرف العُمانيون عبر التاريخ بدعاة السلام واشتهروا بنشر الإسلام ونقلوا صورة مشرفة للإسلام والمسلمين في البلاد التي وصلوا إليها بتجارتهم ورحلاتهم وهجراتهم، وقد تركوا أثرًا في كل بقعة وطأتها أقدامهم، وربما لا يكاد يسجل التاريخ أن دولة تركت أثرها لدى دولة أخرى مثلما فعل العُمانيون، وبلاد شرق أفريقيا شاهدة على ذلك، فهذه الكاريزما العُمانية هي ثيمة خاصة لا تتشابه مع أحد.
إن ما نشهده اليوم من أحداث سياسية في المنطقة العربية والشرق الأوسط بشكل عام، يتطلب حرصا كبيرا منَّا، والتزامًا بسياستنا، هذه السياسة التي أسس نهجها القائد خالد الذكر السلطان قابوس- طيب الله ثراه- وسار عليها وارتسم خطاها مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- حتى أصبحت منهاج الدولة تسير عليه ولا تحيد عنه قيد أنملة، فتربي جميع ساسة عُمان على هذه المبادئ التي تحترم سيادة القانون وسيادة الدول، والتي لا تتدخل في شؤون الآخرين بنفس الوقت وبنفس القوة لا تسمح للآخرين بالتدخل في شؤوننا، هذه المبادئ السياسية رسمت خارطة طريق السياسة الخارجية لسلطنة عُمان وحفظتها من كيد الكائدين.
أربعة مبادئ سياسية وضعها النظام الأساسي للدولة داخليًا وخارجيًا؛ فالحفاظ على سيادة الدولة واستقلالها والدفاع عنها واجب، هذا الحفاظ الذي ينطلق من مفهوم عدم الدخول في صراعات سياسية، وانتهاج السلام كخيار دائم، أما على الصعيد الخارجي فمبدأ السياسة العُمانية هو توثيق عرى التعاون وتأكيد أواصر الصداقة مع جميع الدول والشعوب على أساس من الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومراعاة المواثيق والمعاهدات الدولية والإقليمية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة، وبما يؤدي إلى إرساء السلام والأمن بين الدول والشعوب.
ثم يأتي بعد ذلك نظام الشورى وفق الشريعة الإسلامية كأحد المبادئ الأساسية التي تضمن حق المشاركة السياسية الشعبية لإدارة الدولة، هذا الحق الذي يرسخ مفهوم المساهمة في بناء الدولة ويضمن حق المواطنة الصالحة في إبداء الرأي والتعبير، ثم يأتي المبدأ الرابع وهو إقامة نظام إداري سليم يكفل العدل والطمأنينة، والمساواة للمواطنين، ويضمن الاحترام للنظام العام، ورعاية المصالح العليا للوطن.
ولو عندنا للسياسة الخارجية لسلطنة عُمان والتي جعلت منها دولة موثوقة من الجميع، حيث أسهمت هذه السياسة في ذلك بشكل كبير، فقد عملت القيادة الرشيدة في عهدي النهضة والنهضة المتجددة على تكوين علاقات صداقة مع دول العالم، وقد تحقق حلم السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه، والذي قال: "أريد أن أنظر إلى خارطة العالم ولا أجد بلدًا لا تربطه علاقه بعُمان"، ولذلك جاءت الجهود كبيرة لتحقيق هذا الهدف، واستمرت هذه الجهود في عهد السلطان هيثم بن طارق حفظه الله، الذي أسس صداقات جديدة قوية لخدمة التنمية الشاملة في الوطن العزيز.
يقول السلطان الراحل قابوس بن سعيد "إن السلام مبدأ امنا به ومطلب نسعى الى تحقيقه دون افراط او تفريط"، وهذا نهج قويم في التعاطي مع القضايا السياسية، ومنهجية عمل للتعامل مع الأزمات فالسلام الذي تؤمن به سلطنة عُمان هو سلاح الأقوياء لا سلام الضعفاء، السلام الذي يحافظ على مقدرات الوطن ومكاسبه، السلام الذي يجعل الآخرين يحترمون سيادة الدولة ووحدة أراضيها ويراعون حدودها ولا يتعدون عليها؛ ولذلك تطلب هذا الأمر عملًا كبيرًا على مستوى تقوية الأمن والاستقرار الداخلي وبناء قوة عسكرية قادرة على حماية مصالح الدولة، ونشر منظومة العدالة وسن التشريعات والقوانين اللازمة. إن السلام لا يتحقق للضعفاء الذين يرون العالم من موقع الحاجة للحماية والأمن المستعار.
لقد حفظت سلطنة عُمان المواثيق والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، والتزمت بقرارات الشرعية الدولية في كل قضية، وفي هذا الشأن فإنها لا تتوانى عن إعلان موقفها بكل وضوح، ولذلك اكتسبت ثقة المجتمع الدولي واحترامه، ومن أجل ذلك كانت الوسيط الموثوق لحل الصراعات والنزاعات الإقليمية والدولية، ووسيطًا في قضايا إنسانية سياسية مثل إطلاق سراح الرهائن، وهذه الموثوقية لم تأتِ من فراغ بل هي نتاج عمل ممنهج وفق مبادئ راسخة، ولا نستغرب عندما تضع الأمم المتحدة سلطنة عُمان كأحد الدول التي تختص بنزع فتيل الحروب وصنع السلام والاستقرار في العالم.
لقد أثمرت هذه المبادئ والمنهجية السياسية عن صناعة أجيال من السياسيين العُمانيين المحنكين الذين شهد لهم العالم بذلك، وعندما نشاهد معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية وهو يقود ملف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بكل كفاءة وحكمة، نستذكر يوسف بن علوي وزير الشؤون الخارجية سابقًا الذي كان من أكثر الساسة العرب والعالم حنكةً، ونستذكرُ أجيالًا شكلت ملامح السياسة الخارجية لسلطنة عُمان، هذه السياسة التي أصبحت بالفعل مدرسة متفردة لا يشبهها شيء.
