سالم البادي (أبومعن)
لطالما ساد الاعتقاد بأن تغيير قناعات الشعوب يحتاج إلى جيوش أو خطابات رنانة، لكن الحقيقة في القرن الواحد والعشرين مختلفة تمامًا.
نحن نعيش عصر "البرمجة الناعمة"؛ حيث لا يتم إجبارك على اعتناق فكرة، بل يتم دفعك لتبنيها وكأنها نابعة من "إرادتك الحرة".
ويتم ذلك عبر عدة مراحل؛ منها: أولا مفهوم "النوافذ المفتوحة" (نافذة أوفيرتون). وتعتمد إعادة برمجة الشعوب على تحويل "غير المقبول" إلى "عادي"، ثم إلى "قانون".
ويتم ذلك عبر فتح نافذة ضيقة في وعي الناس تجاه فكرة مرفوضة، ومن ثم تكرار عرضها في سياقات درامية أو ترفيهية حتى تتقبلها الحواس، ثم العقل، وأخيرًا تتحول إلى سلوك جمعي.
هكذا تُبرمج الشعوب على تقبل تحولات اقتصادية أو اجتماعية كانت تُعد "خطوطًا حمراء" قبل عقد من الزمن.
ثانيا: "هندسة الإجماع" وصناعة الوهم. الإنسان كائن اجتماعي يخشى العزلة، وإعادة البرمجة تعتمد هنا على تقنية "الأغلبية المتخيلة" عبر منصات التواصل الاجتماعي، يتم إيهام الفرد بأن "الجميع" يتبنى رأيًا معينًا من خلال (الذباب الإلكتروني أو تكرار المحتوى)، فيضطر الفرد "بيولوجيًا" لتعديل قناعاته ليتوافق مع المجموع خوفًا من النبذ الرقمي، هنا لا تُبرمج العقول، بل تُبرمج "الغريزة الاجتماعية".
ثالثا. استبدال "الأساطير" الكبرى بـ"الترند". في الماضي، كانت الشعوب تُبرمج عبر "الأساطير الوطنية" أو "القيم الدينية" الثابتة، اليوم تتم إعادة البرمجة عبر "تفتيت الانتباه".
عندما يُشغل الشعب بـ"ترندات" يومية تافهة ومتلاحقة، يفقد العقل الجمعي قدرته على الربط بين الأحداث الكبرى، مما يسهل تمرير قرارات مصيرية وسط ضجيج من القضايا الهامشية.
رابعا. التخدير عبر "الإيجابية السامة". من أخطر أدوات إعادة البرمجة الحديثة هي حقن الشعوب بجرعات مفرطة من "الفردانية"، إقناع الجميع بأن "نجاحك وفشلك يعتمدان عليك وحدك"، مما يدفع الشعوب للتوقف عن المطالبة بحقوق جمعية أو إصلاحات بنيوية، وينكفئ كل فرد على ذاته يحاول "تطوير نفسه" في نظام يحتاج هو نفسه إلى التطوير.
قاعدة البرمجة: "الشعب الذي لا يقرأ تاريخه، يسهل كتابة مستقبله في مختبرات العلاقات العامة".
الخلاصة.. إن إعادة برمجة الشعوب ليست عملية سحرية، بل هي "هندسة بطيئة" تستهدف العواطف قبل العقول. إن الوعي بهذه الأدوات هو "مضاد الفيروسات" الوحيد الذي يحمي الفرد من أن يكون مجرد سطر برمجي في كود لا يخدم مصلحته.
