نداء من الجبل الأخضر!

 

علي بن بدر البوسعيدي

لستُ أول من يكتب عن الجبل الأخضر، وسيأتي العشرات من بعدي للكتابة عن هذه الجنة الخضراء التي تتفرد بمميزات وخصائص لا مثيل لها في المنطقة بأسرها، ليس فقط لأن الجبل يستحق أن نكتب عنه وعن جماله، لكن لأنه أيضًا في أمس الحاجة لأصوات الكُتَّاب وأصحاب الرأي والخبراء، من أجل تعظيم المنافع الاقتصادية والتنموية التي تزخر بها هذه الولاية المُحببة على قلب كل عُماني، بل وقبل كل من زارها واستنشق عبيرها وتلذذ بأجوائها.

الحقيقة أن الجبل الأخضر اليوم ورغم ما يشهده من تطوير وتنمية، ما يزال تنقصه الكثير من الجهود التي ستسهم- بلا شك- في تحقيق نقلة نوعية تقود مسيرة التنمية في هذه الولاية الرائعة؛ ففي الجبل الأخضر؛ حيث يلتقي جمال الطبيعة بعبق التاريخ، تتجلى فرصة نادرة لصياغة نموذج تنموي يجمع بين الزراعة والسياحة في آنٍ واحد؛ إذ إن الطقس المعتدل هناك يُهيئ بيئة مثالية لزراعة مختلف المحاصيل، من الخضراوات الطازجة إلى الفاكهة الموسمية، لكن المفارقة أن مساحات واسعة تابعة لجهات ووزارات ما زالت مهجورة بلا استغلال حقيقي، وكأنها تنتظر من يوقظها من سُباتها لتتحول إلى حقول نابضة بالحياة، وجاذبة للسائح الباحث عن السكنية والهدوء في أحضان الطبيعة الخضراء.

وأضرب هنا مثالًا على موسم ورد الجبل الأخضر (الورد المحمدي كما يسميه أهل الجبل) والذي يشهد حاليًا انتعاشة غير مسبوقة، وقد كشف الموسم عن حجم الشغف الذي يحمله الناس لهذا المكان. عشرات الآلاف من الزوار توافدوا إلى القرى الصغيرة، حتى إن بعضها لم يستوعب الأعداد الكبيرة، فيما تشير التقديرات إلى نحو 300 ألف زائر حضروا فقط لمشاهدة الورود وصناعة ماء الورد والمشاركة في الفعاليات المصاحبة. هذا الإقبال السياحي الكثيف يُبرهن على أن الجبل الأخضر ليس مجرد وجهة طبيعية، وإنما كنز اقتصادي واجتماعي يمكن أن يُثمر أكثر إذا ما أُحسن استثماره، وهنا نوجه نداءً عاجلًا إلى كل الجهات التي تملك أراضٍ في الجبل الأخضر بلا استخدام، أن يستخدموا هذه الأراضي في الزراعة، من خلال تأجير أو تمليك هذه الأراضي، كي يستطيع مزارعو الجبل من الاستفادة من خيراتها.

ولقد لفت انتباهي حديث أهل الجبل عن التراجع اللافت في المساحات المزروعة بالمدرجات الشهيرة، وهو أمر يثير القلق والأسف في الوقت نفسه، ويطرح سؤالًا حول كيفية إعادة الحياة إلى هذه المدرجات التي لطالما شكلت هوية الجبل الأخضر الزراعية. ولذلك أناشد بأعلى صوت الجهات المعنية من أجل تقديم التسهيلات للمزارعين؛ سواء عبر التمويل منخفض التكلفة أو الدعم المباشر، بما يضمن عودة بريق هذه المدرجات، وتحويلها إلى مصدر إنتاج مُستدام يرفد السوق المحلي ويعزز الأمن الغذائي.

ونجاح السياحة في الجبل الأخضر يجب أن يُوظَّف لتعظيم الفائدة، على غرار ما شهدناه في ولايات أخرى مثل نزوى التي تحتضن حارة العقر، أو بركاء أو صحار أو صلالة أو خصب؛ حيث تحوَّلت المقومات السياحية إلى مشروعات اقتصادية واجتماعية رائدة. واليوم، في ظل ما تنعم به عُماننا الحبيبة من استقرار وأمن في منطقة مُلتهبة، يبحث الجميع عن الملاذات الآمنة التي توفر عزلة إيجابية تعود بالنفع على صحة الفرد وراحته النفسية.

وأخيرًا أقول.. إنَّ السياحة الزراعية في الجبل الأخضر لا يجب النظر إليها باعتباره فكرة أو مقترح يمكن النظر فيه، فهذا ليس هدفنا، ولكننا نأمل ونحلم ونتطلع إلى إطلاق مشروع وطني تنموي شامل قادر على قيادة التنمية الاقتصادية المستدامة، غير أن ذلك يتطلب تضافر جهود مؤسسات الدولة المختلفة، ولا سيما في مجال التمويل المُيسَّر والدعم المؤسسي، عندها فقط، سيغدو الجبل الأخضر نموذجًا يحتذى به في الجمع بين جمال الطبيعة وذكاء الاستثمار واستدامة التنمية.

الأكثر قراءة

z