مضيق هرمز.. "إدارة مشتركة" بسيادة عُمانية إيرانية

 

 

 

سالم البادي (أبومعن)

 

بين مطرقة الصراعات الدولية وسندان القوى العظمى، يظل مضيق هرمز الشريان الذي يضخ الحياة في جسد الاقتصاد العالمي، لكنه اليوم يقف على أعتاب تحول تاريخي يُنهي عقودًا من "العسكرة" ليفتح بابًا لسيادة أصحاب الأرض.

إنها ليست مجرد جغرافيا، بل هي حكاية نفوذ تمتد من عظمة "سيدة البحار" العُمانية إلى العمق الإيراني؛ واليوم، تتبلور رؤية جديدة تضع مسقط وطهران في مقعد القيادة المشتركة.

فهل ينجح "حُرَّاس المَمَر" في صياغة ميثاق إداري بختم الأمم المتحدة، يُنهي وصاية البوارج الأجنبية ويحول "عُنق الزجاجة" من فتيل حرب محتملة إلى منجم استقرار وازدهار للبلدين وللعالم أجمع؟

جذور "سيدة البحار" وعبق التاريخ في هرمز حيث اشتق المضيق اسمه من جزيرة هرمز التاريخية، التي لُقبت بـ"سيدة البحار" لازدهارها التجاري منذ القرن العاشر الميلادي.

وتعاقبت على هذا الممر قوى إقليمية ودولية؛ فمن احتلال برتغالي شرس عام 1515، إلى استعادة السيادة عام 1622 بتحالف إقليمي، ظل المضيق دائمًا مرتبطًا بجذوره العُمانية والإيرانية.

تاريخيًا، شكلت موانئ سلطنة عُمان -مثل "قلهات"- العمق الاستراتيجي لهذا الممر؛ مما يؤكد أن إدارة المضيق اليوم ليست طارئة، بل هي عودة للأصل التاريخي والجغرافي.

 

لماذا يرتجف العالم عند ذكر "هرمز"؟

تكمن أهمية المضيق في كونه "عنق الزجاجة" الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم و20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وبعرض لا يتجاوز 33 كيلومترًا في أضيق نقاطه، تقع الممرات الملاحية العميقة أساسًا ضمن المياه الإقليمية لسلطنة عُمان وجزئيًا ضمن المياه الإيرانية؛ مما يجعل استقرار هذا الممر ضرورة لا غنى عنها للأمن الغذائي والطاقي العالمي.

وتعتمد الرؤية المقترحة الجديدة على تقاسم المهام بين سلطنة عُمان وإيران، بحيث تتولى كل دولة إدارة شؤون جهتها بانسجام تام، وفق المقترحات التالية:

  1. مركز تنسيق مشترك: إنشاء غرفة عمليات موحدة (عُمانية-إيرانية) لمراقبة الملاحة وتأمين السفن، مما ينهي ذريعة التدخل الخارجي.
  2. مظلة الأمم المتحدة: من خلال إصدار قرار أممي يبارك هذه الاتفاقية الإقليمية، مع تعيين مراقبين فنيين من المنظمة البحرية الدولية (IMO) لضمان الشفافية.
  3. صندوق حماية الممر: عبر فرض رسوم "خدمات لوجستية وتأمين" على السفن العابرة، تُخصص لصيانة الممرات الملاحية وحماية البيئة البحرية.

العائد الذهبي: ماذا تجني مسقط وطهران؟

التحول إلى "الإدارة المشتركة" سيحقق مكاسب غير مسبوقة للدولتين:

اقتصاديًا: تحصيل عوائد مباشرة من خدمات الإرشاد والتموين، وتحويل الموانئ المجاورة (مثل صحار وتشابهار) إلى أقطاب عالمية.

سياديًا: إنهاء "عسكرة المضيق" وتقليل الوجود العسكري الأجنبي، مما يعزز الاستقرار الأمني للدولتين.

جيوسياسيًا: امتلاك "مفتاح" الاستقرار العالمي، مما يمنح الدولتين ثقلًا دبلوماسيًا هائلًا في المحافل الدولية.

الخلاصة.. إنَّ مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو اختبار لمدى قدرة القوى الإقليمية على فرض سيادتها بمسؤولية، كما أن الانتقال من نموذج التهديد بالإغلاق إلى نموذج "الإدارة المسؤولة المشتركة" سيعزز مكانة سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية كحُرَّاس للأمن العالمي، ويجنب المنطقة والعالم مخاطر انقطاع إمدادات الطاقة وتصاعد التوترات الدولية.

ولا ريب أن إدارة عُمانية-إيرانية مشتركة، بمباركة الأمم المتحدة، ستكون الحل الوحيد لتحويل هذا الممر من ساحة للتهديدات إلى واحة للازدهار المشترك.

الأكثر قراءة

z