وساطة عُمان بين طهران وواشنطن.. حضور راسخ

 

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **

 

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات القوى الكبرى والإقليمية، تعود مسقط إلى الواجهة كقناة موثوقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية في ملفٍ معقّد بطبيعته: البرنامج النووي الإيراني. ليست هذه عودة طارئة بقدر ما هي استمرار لدور راكمته عُمان عبر سنوات من "الدبلوماسية الهادئة" التي تفضّل بناء الثقة على صخب المنابر.

ما الذي يجعل عُمان وسيطًا مميزاً؟ أولاً، تاريخها الراسخ وموقعها الجغرافي عند مدخل مضيق هرمز يمنحها حساسية فائقة تجاه استقرار الممرات البحرية وأسعار الطاقة، ما يدفعها موضوعياً إلى تبنّي نهج خفض التصعيد. ثانياً، عقيدة السياسة الخارجية العُمانية-الميل إلى الحياد الإيجابي وعدم الاصطفاف- أتاحت لسلطنة الاحتفاظ بخيوط اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المتنافرة، من طهران إلى العواصم الغربية، من دون أن تفقد رصيدها في مجلس التعاون الخليجي. ثالثاً، تمتلك السلطنة بنية مؤسسية قادرة على إدارة القنوات الخلفية بسرّية وانضباط، وهو شرطٌ لازم لأي تفاوض حساس تُقاس نجاحاته بغياب التسريبات لا بتعدد العناوين.

أثبتت التجربة أن الوساطة العُمانية لا تقوم على "الاختراقات المفاجئة الشكلية"  ولا على "البهرجة الإعلامية الزائفة" بقدر ما تُبنى على خطوات متراكمة وثابتة: إجراءات إنسانية محددة، تبادل رسائل تقنية، ثم تهيئة مسارات متوازية تتدرّج من ضبط التخصيب إلى آليات التحقق، مقابل تخفيفٍ ملموس للعقوبات. هذا "التسلسل الذكي" لا يُلزم الأطراف بحلول قصوى، بل يخلق منطقة آمنة للتماسّ الدبلوماسي تسمح باختبار النوايا وتخفيف التصعيد.

لكن الطريق ليس خالياً من العوائق؛ فالروزنامات السياسية في واشنطن وطهران-انتخابية كانت أم مؤسسية- تضغط على أي مسار تفاوضي وتقلّص هامش المناورة. كما أن اللاعبين الإقليميين، من دولة الإحتلال إلى بعض العواصم العربية، يملكون أدوات للتأثير، سواء عبر الملف الأمني أو الإيقاع الإعلامي. يعرف العُمانيون ذلك جيداً، لذا يراهنون على "قواعد اشتباك" تفاوضية: تجزئة الملفات، توزيع المكاسب والخسائر على مراحل، وتحييد القضايا الأكثر سخونة إلى حين ترسخ الثقة.

القيمة المضافة لمسقط أنها لا تبيع أوهاماً. هي تُدير توقعات واقعية: لا اتفاقاً شاملاً سريعاً، بل تفاهمات قابلة للتنفيذ تُبقي البرنامج النووي تحت سقفٍ يمكن مراقبته، وتمنح الاقتصاد الإيراني متنفساً محدوداً، وتؤمن للأسواق طمأنينة الحدّ الأدنى. في المقابل، تحافظ عُمان على صورتها كدولة "مؤثرة" في النظامين الإقليمي والدولي-صوتٌ منخفض لكنه مسموع عندما يعلو الضجيج.

خلاصة القول.. إن الوساطة العُمانية ليست ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة عملية لنزع فتيل أزمات متناسلة. وفي معادلةٍ تُكافئ من ينسج بصبر، تُثبت السلطنة أن الدبلوماسية حين تُمارَس كحرفة دقيقة، يمكنها أن تؤخّر الأسوأ وتفتح نافذة ممكنة للأفضل.

** باحث أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z