ريم الحامدية
حين يكون الإنسان وتطويره هو الغاية الأسمى من رفع كفاءة الاقتصادات، تتراجع الأرقام خطوة إلى الخلف، ليتقدّم المعنى. فالتنمية، في أصلها، ليست سباقًا نحو النمو، بل رحلة واعية لبناء الإنسان، وصناعة قدرته على الإسهام، ومنحه المساحة ليكون شريكًا حقيقيًا في تشكيل المستقبل.
ومن بين تفاصيل هذه الرحلة، يطلّ المورد المحلي كحكاية قريبة من الأرض، متجذّرة في المجتمع، وحاملة لإمكانات تتجاوز حدود التوريد إلى فضاءات أوسع من القيمة والأثر. هو انعكاس لفكرة أن الاقتصاد لا يُبنى بالاستيراد وحده، بل بالثقة في الطاقات المحلية، وبالاستثمار في المعرفة التي تنمو داخل الوطن.
إن تطوير الموردين ليس إجراءً إداريًا بحتًا؛ بل فعل إيمان بالإنسان، وبقدرته على التحوّل حين تُفتح له الأبواب؛ فحين يُمكَّن المورد العُماني عبر سياسات واضحة وبرامج تمكين حقيقية، يتحول من منفذ محدود إلى شريك اقتصادي فاعل، يسهم في رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع قاعدة المنافسة داخل السوق. وهو تحول لا ينعكس أثره على الشركات وحدها، بل يمتد ليشمل الاقتصاد الوطني بمختلف قطاعاته.
ويُعد تطوير الموردين أحد المسارات الأكثر فاعلية لخلق القيمة المحلية المضافة؛ إذ يسهم في إبقاء الإنفاق داخل الاقتصاد الوطني، وتعزيز المحتوى المحلي، وبناء سلاسل إنتاج وخدمات أكثر تكاملًا واستقرارًا. فكُل مورد محلي يتم تطويره، يعني قيمة تُنتج داخليًا، وخبرة تُراكم وطنيًا، وفرص عمل تُخلق للمواطنين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بما يعزز من دورة الاقتصاد الداخلي ويحد من تسرب العوائد إلى الخارج.
وعالميًا، أثبتت التجارب الاقتصادية أن الاقتصادات التي تبنّت تطوير مورديها المحليين كخيار استراتيجي، استطاعت أن تبني صناعات مساندة قوية، وأن ترفع من تنافسية منتجاتها، وأن تحقق نموًا أكثر استقرارًا على المدى الطويل. فالمورد المحلي، حين يُمكَّن، يصبح جزءًا من منظومة الابتكار والإنتاج، لا مجرد تابع لحركة السوق، كما يسهم ذلك في تعزيز مرونة الاقتصاد، خصوصًا في أوقات الأزمات والاضطرابات العالمية.
وفي وطننا الحبيب سلطنة عُمان، يلتقي تطوير الموردين مع أهداف التنويع الاقتصادي، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص عمل مستدامة، وتحقيق مستهدفات المحتوى المحلي. فتمكين المورد العُماني يعني فتح مسارات جديدة للنمو، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص على أسس أكثر توازنًا واستدامة.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تتبنى الجهات المعنية تطوير الموردين كنهج مؤسسي طويل الأمد، لا كمبادرات مرحلية أو التزامات محدودة؛ فالمطلوب اليوم هو بناء منظومة متكاملة تشمل سياسات شراء داعمة، وبرامج تدريب وتأهيل، وحوافز تشجع على نقل المعرفة ورفع الكفاءة، بما يضمن جاهزية الموردين المحليين وقدرتهم على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية.
إنَّ الاستثمار في تطوير الموردين العُمانيين هو استثمار في القيمة المحلية المضافة، وفي اقتصاد يُنتج أكثر مما يستهلك، ويُشغّل أكثر مما يعتمد، ويصنع فرصه من داخله. وهو في جوهره رهان على الإنسان العُماني، وعلى قدرته على الإسهام في بناء مستقبل اقتصادي أكثر قوة واستدامة؛ حيث يكون البناء فعلًا… مِنَّا وفِينا.
فالاقتصاد الذي يُراهن على الإنسان، هو وحده القادر على صناعة قيمة محلية مضافة تدوم، وبناء ينطلق مِنَّا وفِينا.
