رمضان أم نحن؟

 

 

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

 

في روزنامة كل عام، لا يُكتب رمضان كشهر في التقويم الهجري، بل تُدوَّن ملامحه في تفاصيل الأيام الصغيرة في ازدحام الأسواق قبل موعد الإفطار، في رائحة الهيل التي تسبق القهوة إلى البيوت، في الأمهات وهنّ يسرعن بين الأطباق وقلوبهن معلّقة بموعد الأذان، في الأطفال الذين يعدّون الدقائق وكأنها لعبة، وفي الشوارع التي تهدأ فجأة عند قول: حان الآن موعد أذان المغرب حسب التوقيت المحلي وعلى القانطين خارج المحافظة مراعاة فارق التوقيت.

في روزنامة كل عام، يدخل رمضان من أبواب البيوت كلها… لكنه لا يدخل بالطريقة نفسها إلى القلوب، فبين نسخةٍ قديمةٍ منّا كانت تعرف كيف تعيش هذا الشهر ببساطته ودفئه، ونسخة جديدة تلاحق الوقت والشاشات والمواعيد، تتبدّل الحكاية قليلًا، ونبدأ نتساءل بهدوء: هل تغيّر رمضان فعلا، أم أننا نحن الذين ابتعدنا عن تفاصيله التي كانت تصنع معناه؟

لم يعد رمضان كما كان أو هكذا نقول، لكن الحقيقة أن التفاصيل لم تختفِ؛ بل نحن من توقّفنا عن ملاحظتها، ففي هذا الشهر، ما زالت هناك طقوس لا تُرى لكنها هي التي تصنعه نشاهده في الأم التي تسهر كل ليلة لا لتطبخ فقط، بل لتطمئن أن كل فرد في بيتها يجد ما يحب، عامل يراقب الشمس كأنها وعد بالراحة، مسنّ يجلس على مائدته وحده لكنه يملؤها بالدعاء، وقلوب ترفع أكفّها في صمت لا يسمعه أحد لكنه يصل.

رمضان لا تصنعه الموائد العامرة؛ بل تصنعه القلوب التي تُعدّها بصمت.

وفي كل زاوية منه، هناك رسائل لا تُكتب لكنها تُفهم صحن طعام يعبر من بيت إلى بيت ليقول: نحن معكم، دعوة صادقة في ظهر الغيب تقول: أنتم في القلب، إفطار بسيط يجمع أشخاص ليؤكد أن لا أحد يجب أن يكون وحيدا في هذا الشهر.

في الحقيقة هي لغة خفية لا تنشر في المنصات، لكنها الأصدق.

ربما لم يتغير رمضان كما نظن، ربما الذي تغير هو سرعتنا، أولوياتنا، وانشغالنا عن تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع المعنى الكبير؛ فرمضان ما زال كما هو، ينتظرنا أن نهدأ قليلًا، أن نبطئ، أن ننصت، أن نعود.

أن نتذكر أنَّ هذا الشهر لا يُقاس بعدد الأطباق ولا بطول السهرات، بل بتلك اللحظة الصافية بين الأذان وأول رشفة ماء، بتلك الدمعة التي لا يراها أحد، بتلك النية التي لا يعلمها إلّا الله.

رمضان… لم يتغير، هو فقط ينتظرنا أن نعود إليه كما كنَّا أو كما يجب أن نكون.

الأكثر قراءة

z