إلى وزارة العمل

 

 

 

حمود بن سعيد البطاشي

 

حين يتحدث السوق، لا يفعل ذلك اعتراضًا على التنظيم؛ بل طلبًا للتوازن. وحين يكتب صاحب الرأي، لا يكتب مُجادِلًا القرار؛ بل باحثًا عن أثره في الواقع. ومن هنا تأتي هذه الكلمات بوصفها قراءة وطنية مسؤولة في قرار رفع رسوم مأذونيات العمالة الوافدة من نحو 220 ريالًا إلى ما يقارب 500 ريال؛ قفزة مالية لا تُقاس بحجمها الرقمي فقط؛ بل بما قد تتركه من انعكاسات تشغيلية على الأرض.

إنَّ جوهر القضية ليس في مبدأ الرسوم؛ فتنظيم سوق العمل حق أصيل للجهات المختصة؛ بل في توقيت الزيادة وحدّتها ومدى توافقها مع نبض السوق الحقيقي. الاقتصاد لا يعيش في الأوراق الرسمية وحدها؛ بل في دفاتر المؤسسات الصغيرة، وفي حسابات أصحاب الأعمال اليومية، وفي قدرة النشاط على الاستمرار دون اختلال.

السوق اليوم يمر بمرحلة دقيقة تتشابك فيها التكاليف التشغيلية مع تحديات المنافسة وتقلبات الطلب وارتفاع المصروفات الثابتة. والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة- التي تمثل الشريان الأوسع للحركة الاقتصادية- تعمل غالبًا ضمن هوامش مالية محدودة، بحيث تتحول أي زيادة كبيرة مفاجئة في الرسوم الأساسية إلى عامل ضغط مباشر على قراراتها التشغيلية. هنا لا يعود السؤال: هل الرسوم مشروعة؟ بل يصبح السؤال: هل أثرها قابل للتحمل دون انكماش؟

إن السياسات الاقتصادية الرشيدة تقوم على قاعدة بسيطة لكنها حاسمة: القرار التنظيمي الناجح هو الذي يحقق هدفه دون أن يضعف البيئة التي ينظمها. والرسوم حين ترتفع ضمن تدرج مدروس، تتحول إلى أداة ضبط فعالة، أما حين تقفز قفزة حادة، فقد تتحول- دون قصد- إلى عبء يعيد حسابات التوسع والتوظيف والاستثمار.

والمستثمر بطبيعته لا يخشى الكلفة، لكنه يخشى المفاجأة. يستطيع أن يخطط للرسوم إذا كانت واضحة ومتدرجة، لكنه يتردد حين تتغير المعادلة فجأة إلى أرقام جديدة لم تدخل في حساباته السنوية. والاستثمار، في جوهره، قرار ثقة قبل أن يكون قرار مال.

ولهذا فإنَّ التجارب الاقتصادية العالمية تشير إلى أن القرارات ذات الأثر المالي المباشر على السوق تحتاج إلى ثلاث طبقات من الحماية المؤسسية: دراسة أثر ميداني قبل الإقرار، وتطبيق مرحلي يسمح بالتكيف، وقنوات تشاور مهني تمنح القرار عمقًا تنفيذيًا أدق. وهذه ليست مطالب قطاعية؛ بل قواعد استقرار اقتصادي أثبتت فعاليتها في تعزيز الامتثال الطوعي ورفع كفاءة التنظيم.

الرسالة هنا ليست دعوة لإلغاء القرار، ولا تشكيكًا في غايته التنظيمية؛ بل مطلبًا صريحًا بضرورة مراجعته من زاوية التوازن التنفيذي، بحيث يتحقق الهدف دون صدمة تشغيلية مفاجئة. فربما يكون التدرج الزمني، أو ربط الرسوم بحجم المنشأة، أو منح فترة انتقالية تكيفية، حلولًا تنظيمية تحقق الغاية وتحفظ في الوقت ذاته استقرار السوق.

الأسواق لا تنهار بالقرارات، لكنها قد تتباطأ بالصدمات. والتنظيم لا يُضعف الاقتصاد، لكنه يحتاج دائمًا إلى ميزان دقيق بين الانضباط والقدرة الواقعية على الامتثال. وحين يشعر صاحب العمل أن الواقع العملي حاضر في صناعة القرار، تتحول العلاقة من التزام إداري إلى شراكة اقتصادية، وهذه هي النقطة التي تبدأ عندها قوة السوق الحقيقية.

وهذا الطرح، يمثل رأيًا عامًا مشروعًا، نُقدِّمه بحسن نية وفي إطار الاحترام الكامل للمؤسسات والأنظمة، ومعرفتنا الوثيقة بأن غايتها دعم جودة القرار الاقتصادي وتعزيز التوازن بين التنظيم واستدامة النشاط، إيمانًا بأنَّ الاقتصاد الوطني يزدهر حين يسير القرار والسوق في اتجاه واحد نحو الاستقرار والنمو.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z