معًا في الجيل الرابع

 

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

 

في مشهد يليق بعُمان، اتسعت القاعة لوطن كامل، لم يكن الحضور أسماء في قوائم أو مقاعد معرفة، بل كانت عُمان بأطيافها تجلس جنباً إلى جنب، فحضرت المحافظات بلهجتها وتفاصيلها، وحضر العُماني بمختلف أدواره ومسؤولياته، كان عرسًا عُمانيًا بامتياز، عرسًا جمع عُمان من أقصاها إلى أقصاها، لا على إيقاع احتفال عابر، بل على نبض وطني واحد، في قاعة واحدة، جلس المسؤول إلى جوار الموظف، والباحث إلى جانب الطالب، ووليّ الأمر بمحاذاة المسرحي، وحضر الشخص ذو الإعاقة لا بوصفه ضيفًا، بل شريكًا كامل الحضور. تلاقت الأطياف، وتنوّعت الرؤى، وارتفع سقف الحوار، في مشهد يُجسِّد عُمان التي نعرفها، متماسكة، واعية، واثقة بخطواتها، ومن بين دول الخليج، برزت عُمان في هذا النموذج الحواري الرصين، لتقدّم تجربة مُتزنة تتلاقى الرُّؤية مع المُشاركة.

لم يكن ملتقى "معًا نتقدم" مجرد فعالية مدرجة على جدول الأعمال في شهر فبراير من كل عام؛ بل مساحة وطنية مفتوحة، تُطرح فيها الأسئلة دون تهيُّب، وتُقدَّم فيها الإجابات بوضوح ومسؤولية، فأصبحت منصة يلتقي فيها القرار بالمجتمع، وتتحول فيها الأرقام إلى قصص، والخطط إلى وعود قابلة للقياس. كنتُ أرى المشهد أقرب إلى ورشة وطنية كبرى، تتقاطع فيها ملفات الاقتصاد، والتنمية، وسوق العمل، والتحول الرقمي، والطاقة، وسواها من القضايا التي تمس تفاصيل الحياة اليومية.

في حقيقة الأمر أن ما أبهرني في هذه النسخة لم يكن فقط تنوع الحضور؛ بل ذلك الجيل الذي تقدّم الصفوف بثقة لافتة. جيل مُسلَّح بالمعرفة، مُتقِن لأدواته، دقيق في طرحه، لَبِق في سؤاله، جريء في فكرته، لم يكن الحضور الشبابي حضورًا شكليًا؛ بل كان حضورًا فاعلًا، يطرح رؤى، ويقترح حلولًا، ويقرأ المشهد بوعي يتجاوز عمره الزمني، فلقد رأيت ثقافة واسعة، وإلمامًا بالتفاصيل، وقدرة على الحوار الهادئ المتزن. كان ذلك مؤشّرًا عميق الدلالة على أن الاستثمار الحقيقي في الإنسان العُماني بدأ يؤتي ثماره.

أكد الملتقى أنَّ التنمية لم تعد خطابًا يُتلى؛ بل حوارًا يُبنى، وأنَّ الإصلاح ليس مسارًا يُدار من جهة واحدة؛ بل مسار تشاركي يستوعب النقد، ويستفيد من المقترحات، ويؤمن بأن الأسئلة الصريحة هي الطريق الأقصر نحو الإجابات الدقيقة، وفي هذه المساحة، لم يكن هناك حاجز بين المنصة والمقاعد؛ كان الجميع في مساحة واحدة، يتقاسمون القلق ذاته والطموح ذاته.

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى مثل هذه النماذج من اللقاءات؛ لقاءات تُرسّخ ثقافة الاستماع، وتُعلي من قيمة الرأي، وتمنح المجتمع دورًا حقيقيًا في صياغة أولوياته.

"معًا نتقدم" لم يكن شعار يُرفع، بل ممارسة تُجسّد معنى الشراكة، وتؤكد أن الطريق إلى المستقبل لا يُمهّد إلّا بخطوات جماعية.

وإذ نُشيد بهذا الملتقى وما حمله من رسائل وشفافية ومسؤولية، فإننا نقرأ فيه ملامح مرحلة جديدة، عنوانها الحوار، وأداتها الوعي، وغايتها وطن يتقدم بثقة؛ حيث إنَّ عُمان التي اجتمعت تحت سقف واحد، قادرة أن تمضي تحت أفق واحد، أفقٍ يتسع للجميع، ويُكتب بمداد المشاركة، ويُختتم دائمًا بعبارة واحدة تختصر الحكاية: فيكم ومعكم نتقدَّم.

الأكثر قراءة

z