قضية الصحراء.. أضرار الاستمرار وأفكار للتسوية

 

 

 

د. عبدالله الأشعل **

 

نشأت قضية الصحراء في إطار تصفية الاستعمار الإسباني؛ حيث كانت منطقة الصحراء محتلة من قبل إسبانيا وتم الجلاء عنها عام 1975. ولكن قضية الصحراء ليست السبب الوحيد للتوتر بين الجزائر والمغرب فقد دخلت الجزائر والمغرب في حرب عام 1964 نتيجة هذا التوتر. ثم جدت قضية الصحراء فأضيفت إلى أسباب هذا التوتر. معنى ذلك أن العلاقات الجزائرية المغربية كانت متوترة قبل نشأة قضية الصحراء. ولكن قضية الصحراء هي العنوان الرئيسي لهذا التوتر الآن.

والهدف من هذه الورقة هو أن تقدم أفكارا للتسوية في هذه القضية التي استمرت حتى الآن وهي أطول قضية في تاريخ العلاقات الدولية.

والغريب أن الإطار العربي والإسلامي قد تجنبها ولذلك فهو صراع سياسي بين البلدين وليس هناك أساس قانوني للموضوع؛ فالثابت أن الجزائر بحكم الجغرافيا لا تجاور الصحراء الغربية وإنما تقع الصحراء الغربية غرب المغرب.

وعندما تخلت إسبانيا عن منطقة الصحراء تنافس على امتلاكها ثلاث دول هي المغرب والجزائر وموريتانيا، ولكن خرجت موريتانيا وبقيت الجزائر والمغرب في هذه القضية.

وعرضت قضية الصحراء على محكمة العدل الدولية عام 1975 وكان الهدف من عرضها هو توجيه سياسة الأمم المتحدة نحو هذه القضية. وركزت المحكمة على حق تقرير المصير للصحراويين. كما استعرضت مظاهر السيادة المغربية على الصحراء.

وعرضت القضية على الإطار الأفريقي وحده فأيد حق تقرير المصير وفسرته الجزائر بأنه انتصار على المغرب في ذلك الوقت في أوائل الثمانينات من القرن الماضي. معنى ذلك أن الجزائر تساند سياسيا قضية الصحراء من منطلق حق تقرير المصير لشعب الصحراء؛ أي أن الجزائر متضامنة مع هذا الحق. وهدف هذا المقال هو تصفية مصدر النزاع بين البلدين الشقيقين والوئام بينهما لصالح الشعبين. فقد عانى الشعبان طويلا من هذه المحنة؛ بل وعرضت إسرائيل الوساطة في هذه القضية كان ذلك عندما كان شمعون بيريز رئيسًا للوزراء في إسرائيل.

وتلحق القضية واشتعالها أضرارا بالبلدين: فقد قايضت المغرب الولايات المتحدة على موقفها المؤيد لها في قضية الصحراء وكان المقابل التطبيع مع إسرائيل ضمن مجموعة دول غربية وأطلق عليها "المعاهدات الإبراهيمية"؛ أي أن الشعبين والدولتين تخسران بسبب استمرار هذا النزاع.

والأفكار التي يمكن أن تقدم للطرفين وكلاهما دول أساسية في المنطقة واستمرار هذا النزاع يطال مصالح الشعبين والنخب في البلدين كما يضرب وحدة المغرب العربي والتئامه.

ولا بُد أن تقدم هذه الأفكار إلى الرأي العام في البلدين حتى يمكن للحكومتين أن تعتقدا أن النزاع ليس قدريا ولا أبدياً فكل نزاع قابل للتسوية إذا توفرت نية التسوية في البلدين وما لم تكن هناك نية لتعكير صفو العلاقات بين البلدين الشقيقين.

ولا يصلح الإطار العربي أو الإطار الإسلامي لتقديم هذه الأفكار وإنما المنتديات الثقافية هي القادرة على الرؤية الصحيحة لمضاعفات النزاع.

الفكرة الأولى: التفاوض بين الحكومتين بحسن نية وبقصد التوصل إلى حل.

الفكرة الثانية: الإطار الدولي كالأمم المتحدة التي تتسم بالحياد والرغبة في تسوية النزاع.

الفكرة الثالثة: سعي الأمم المتحدة والدول الإفريقية لدى المغرب للاعتراف بحق تقرير المصير لشعب الصحراء. وبالفعل فإنَّ قرار مجلس الأمن الأخير بشأن هذا الموضوع يشير إلى ذلك.

المهم ألا تبدو استجابة المغرب هزيمة أمام الجزائر وقد نشأ الصراع بين البلدين في السبعينيات من القرن الماضي في إطار الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن فكانت الجزائر مدعومة من قبل الاتحاد السوفييتي وكانت المغرب مدعومة من الولايات المتحدة. وقد انتهت الحرب الباردة عام 1991 وبقيت قضية الصحراء.

الفكرة الرابعة: في إطار دور الجزائر الايجابي في مجلس الأمن وانحيازها للقضايا العربية والإسلامية يمكن للجزائر أن تبدأ هذه الخطوة مادامت مجرد طرف متضامن ومصلحتها السياسية في هذه الحالة أكبر من مصلحتها في اعتبار قضية الصحراء أولوية بالنسبة لها ضد المغرب. ويجب على أطراف عربية مثل السعودية ومصر أن تساند هذا المسعى. فإن مصر في هذا الوقت بالذات تحتاج إلى رأب الصدع بين الإخوة العرب بعد أن استقر الموقف المصري على الحياد.

ويذكر أنَّ مصر قد تقلب موقفها من قضية الصحراء حسب علاقاتها بالطرفين؛ فالجزائر كانت أقرب إلى مصر في الستينيات من القرن الماضي، وكان جمال عبد الناصر يعتبر أحمد بن بلا نجله السياسي، وكان المرحوم الرئيس الجزائري هواري بومدين قد وقف مع مصر موقفًا صلبًا عام 1973 في حرب التحرير ضد إسرائيل، ولا تزال الجزائر صامدة ضد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وربما كانت قضية الصحراء وانحياز أمريكا للمغرب سببيْن لموقف الجزائر.

الفكرة الخامسة: أن يتشكل منتدى عربي من الشخصيات العربية يقدم هذه الأفكار للرأي العام في البلدين. ولا شك أن الرأي العام العربي في هذه القضية وتثقيفه وتعليمه أبعاد هذه القضية وأضرار استمرارها ما دام الرأي العام العربي لا يعرف عنها شيئاً بحكم أن الحكومات العربية لا تتحدث عنها ولا ترد قضية الصحراء في الإعلام العربي.

وأول مهمة للمنتدى هي السعي لتسوية هذه القضية وفتح الحدود بين البلدين وتطبيع العلاقات بينهما. وأخشى أن إسرائيل تضغط على الجزائر للتطبيع معها مقابل التعاطف مع موقفها السياسي من الصحراء. فتوزيع الأدوار بين أمريكا وإسرائيل وارد لكسب الثقة من الأطراف الإقليمية.

الفكرة السادسة: عقد ندوة خارج الجزائر والمغرب لتشريح هذه القضية التي أصبحت أيدلوجية في البلدين حتى يمكن النظر إلى هذه القضية وتبين جوهرها الحقيقي؛ فانتقال القضية من مستوى الأيديولوجية السياسية في البلدين وبين النخب فيهما أول خطوة نحو التسوية.

النخب الجزائرية تعتبر موقف الجزائر أخلاقيًا وسياسيًا بالغ الأهمية، والنخب المغربية تعتبر أنَّ قضية الصحراء قضية وطنية، وهكذا دخلت قضية الصحراء في الأيديولوجيات السياسية، وحبذا لو ضمَّت الندوة باحثين من دول مختلفة حتى تتعدد الرؤى ونُخرج القضية من مستوى الأيديولوجيا ونُطلق أوجه التعاون المشترك بين البلدين.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z