المسؤول.. مسكين!

 

 

هند الحمدانية

يذهب بعض فلاسفة السياسة إلى أنَّ الإنسان إذا مُنح سُلطة مُطلقة انكشفت حقيقته كاملة، وهذه الفكرة وحدها تكفي لفهم كثير من ظواهر السلطة في عالمنا اليوم، فليس أكثر إثارة للحيرة من مسؤول يقف أمام النَّاس ليُعلن قرارًا يُضاعف معاناتهم، أو يطلق تصريحًا يجرح شعورهم، أو يسِن قانوناً يبدو كأنه صِيغ في عالم آخر لا يمت إلى واقعهم بصلة، يقف المواطن مذهولًا من غرابة منطق القرار، ومن جفاف لغته ومن تلك المسافة الشاسعة بين السلطة والمواطن.

ومن هنا يتولَّد سؤالٌ يتجاوز السياسة إلى عُمق النفس البشرية: ماذا يحدث داخل المسؤول حين يجلس على كرسي السلطة؟ وما الذي يجعل بعض من أُوكلت إليهم مسؤولية النَّاس يُظهرون هذا الانفصال المُؤلم عن آلام النَّاس واحتياجاتهم؟

الحقيقة التي يغفلُها كثيرون أنَّ السلطة لا تُغيِّر الإنسان بقدر ما تكشفه؛ فالكرسي لا يخلق القسوة والمنصب لا يصنع النفس؛ بل يُحرِّرها ويمنحها مساحة الظهور بلا قيود، فما كان مُستترًا في أعماق الشخصية سنوات طويلة يجد في السلطة فرصة نادرة ليُعبِّر عن ذاته دون مُقاومة، ولذلك يقال إنَّ السلطة لا تُفسد الإنسان بقدر ما تكشف ما كان كامنًا في داخله.

كل إنسان يحمل بداخله تاريخًا طويلًا من التجارب والتشكيلات النفسية التي بدأت قبل أن يعرف المنصب طريقه إليه، الطفولة بما فيها من قسوة أو حرمان، والتربية بما تحمله من ضغط أو إهمال، والتجارب المبكرة التي زرعت الخوف أو الشعور بالنقص أو الحاجة الدائمة لإثبات الذات، كلها تتحول مع الزمن إلى بنية نفسية راسخة تُوجِّه السلوك دون أن يشعر صاحبها بذلك.

ولعلَّ جذور العلاقة المُضطربة بالسلطة أقدم مما يتصور البعض؛ إذ تمتد في كثير من الأحيان إلى التجارب الأولى داخل الأسرة، وبخاصة علاقة الإنسان بالأب بوصفه الرمز الأول للحماية والهيبة والقانون والاعتراف، فحين تتشكل هذه العلاقة على قسوة أو غياب أو جرح لم يلتئم، يبقى أثرها كامنًا في النفس، وقد يظهر لاحقًا في أسلوب ممارسة السلطة ذاتها، فبعض من لم ينل الاعتراف في طفولته يسعى إليه في منصبه، وبعض من افتقد الشعور بالأمان يميل إلى التَّشدد في السيطرة، وبعض من عاش هشاشة داخلية يصبح أكثر حساسية للنقد وأشد ميلًا إلى الدفاع عن ذاته عبر اللغة القاسية أو التصريح الفظّ، وهكذا قد يتحول المنصب لدى بعض النفوس إلى فرصة متأخرة لإثبات الذات وتعويض ما فقد في الطفولة، فتغدو السلطة مزارًا لجرح قديم أكثر من كونها استجابة متزنة وعادلة لواقع الناس وظروفهم.

ولعل أخطر ما يصيب الإنسان اضطراب القلب حين يُترك دون تهذيب أو مراجعة، وحين تتراكم الجراح في الداخل حتى تتحوَّل إلى سلوكٍ مؤذٍ للمسؤول ذاته أو للآخرين. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في وصف طبيعة النفس البشرية بقوله تعالى: "فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا" (البقرة: 10)، فحين يصل هؤلاء إلى مواقع النفوذ، يصلون مُحمَّلين بكل تاريخهم الأليم وجراحهم القديمة، ومُثقلين بصراعاتهم النفسية الدفينة التي لم تجد طريقها إلى الشفاء، فتتحول السلطة في حالات كثيرة إلى مساحات تعويض نفسي غير واعٍ.

المفارقة أن كثيرًا من الشخصيات التي تصل إلى مواقع القيادة تتمتع بصفات تجعلها مؤهلة للنجاح: إرادة صلبة وقدرة على التحدي، وطموح لا يعرف التراجع، واستعداد دائم للصراع من أجل التفوُّق، غير أن هذه الصفات نفسها كثيرًا ما تنشأ من تجارب مؤلمة صنعت شخصية مُقاوِمة للحياة، لكنها في الوقت ذاته تركت داخلها توترات لم تجد مُتنفسًا للاتزان؛ فالطريق إلى السلطة غالبًا ما تصنعه القدرة على التحمل والمواجهة، لا بالضرورة القدرة على التعاطف والاحتواء، وقد ينجح الإنسان في الصعود إلى القمّة، بينما تظل أعماقه في حاجة إلى الترميم.

ولا يقتصر الأمر على من نشأوا في ظروف مادية صعبة؛ فالألم النفسي لا طبقة له، فقد ينشأ الإنسان في بيئة ميسورة، لكنه يعيش عزلةً داخل أسرته، أو ضغطًا هائلًا لإثبات التفوق، أو علاقات تفتقر إلى الدفء الإنساني، وقد يخفي الثراء الخارجي هشاشة داخلية لا يراها أحد، وحين تُمنح السلطة لهذه النفس القلقة، تتحول إلى وسيلة لإثبات الذات أو لتعويض نقصٍ دفينٍ.

ومن هنا يُمكن فهم بعض التصريحات التي تفتقر إلى الحس الإنساني، وبعض القرارات التي تبدو منفصلة عن واقع الناس، وبعض الأساليب التي توحي بأنَّ المنصب تحول من مسؤولية إلى وسيلة للتنفيس. إنَّ أخطر ما في السلطة أنها تُضخِّم ما في النفس، فإن كانت النفس مُتزنة اتسع أثر الخير، وإن كانت مضطربة اتسع أثر الاضطراب، ولذلك يصبح المنصب في بعض الحالات منبرًا تتجلى فيه الصراعات الداخلية، وتتحول القرارات إلى انعكاس غير مباشر لحالات نفسية لم تعالج، للأسف الشديد.

ولعلَّ أكثر ما يلفت التأمل في مشاهد السلطة ذلك التناقض بين موقع المسؤول وصوته، وبين ما يُفترض أن تُمثِّله المسؤولية من احتواء للناس، وما يصدر أحيانًا من لُغة جافة أو تصريحات تبدو منفصلة عن واقع المواطن، وحين يتأمل المرء هذه الظاهرة بعُمق، قد يكتشف أن سلوكيات المسؤول (فعلًا أو قولًا) هي انعكاس لماضيه الذي لم يتعافَ منه بعد، وهنا تنقلب الصورة؛ فالمواطن الذي يظن نفسه ضحية للقرار التعسفي قد يكون أكثر سلامًا  من صاحب القرار نفسه، ولا يعني هذا تبرير الخطأ أو إعفاء المسؤول من مسؤوليته، فإدارة شؤون الناس أمانة لا تَحتمل الأعذار النفسية، والسلطة والقرار أمانة حمَّلها الله المسؤول بقوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا" (النساء: 58)، وقد عرِف التاريخ نماذج للمسؤول الذي لا يخشى النقد؛ بل يطلبه ويعده ضمانًا للعدل، فقد قال سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- "رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي" وقال: "أيها الناس أن رأيتم في اعوجاجًا فقوِّموني"؛ فالمسؤول الواثق لا يرى في النقد تهديدا؛ بل دليلا على اتزان النفس وسلامها الداخلي.

وفي الختام... عزيزي المواطن في المرة القادمة التي تسمع فيها تصريحًا فظًا أو قرارًا تعسفيًا يثقل حياتك بلا رحمة، أو ترى مسؤولًا كبيرًا يستهين بعقلك بردود غير منطقية في مؤتمر رسمي، أو يغضب من النقد ويخشاه كأنَّه تهديد لوجوده، فلا تنزعج، فقط تنفّس بهدوء، وقُل في سِرِّك: مسكين... الله يشفيه!

الأكثر قراءة

z