د. عبدالله الأشعل **
الإجابة الأكيدة أنَّ المفاوضات سوف تتعثر بسبب شخصية دونالد ترامب العنيدة والذي لا يهمه سوى إسرائيل. وسبب إفشال المفاوضات هو ترامب وإسرائيل فقد سبق لإسرائيل أن أفشلت المفاوضات الأولى في مسقط أيضًا بين إيران وأمريكا، ولذلك فإنَّ إيران لا تثق في أمريكا وإسرائيل ولا تعول على هذه المفاوضات إلّا من حيث إنها تؤجل الانفجار في المنطقة؛ ذلك أن إيران أعلنت أنَّها جاهزة للضربة الأمريكية وأنها انتقلت من عقيدة الرد إلى عقيدة المبادأة.
وكانت أمريكا قد عرضت على إيران سابقًا هذه المفاوضات ولكن نظرا لعدم ثقة إيران في أمريكا وأنها تتخذ هذه المفاوضات ستارًا للتعمية، ولكن إيران قدمت تنازلا واحدا للولايات المتحدة وتريد أن تجس نبض أمريكا في المفاوضات وتدرك إيران أنَّ أمريكا تريد أن تغير النظام فيها عن طريق عمليات الاغتيال تبدأ بالمرشد الإيراني، علمًا بأن المرشد قاد الجهد العسكري والمدني ضد إسرائيل وأمريكا في العدوان السابق على إيران لأنَّ إسرائيل اغتالت كل القيادات العسكرية الإيرانية فتولى المرشد الأعلى زمام القيادة حتى لا يحدث فراغ فيها .
وتريد أمريكا بهذه المفاوضات أن تمهد لضرب إيران وتوهم العالم أن الضربة بسبب تعنت إيران في المفاوضات وقطعًا فإن قبول إيران لهذه المفاوضات يظهر ذكاء إيران وفهمها العميق للمرامي الأمريكية. ولأن مبعوثي ترامب نصحوه بالتروي كما أن الوسطاء مصر وتركيا وقطر حذروه أيضًا من النتائج الكارثية لانفجار الشرق الأوسط وعلى الاقتصاد الدولي؛ فإن نتنياهو عجل بزيارة ترامب قبل موعد الزيارة المقرر منذ مدة لكي يُخرب هذه المفاوضات. إسرائيل تريد أن تُمحو إيران من على وجه الأرض أو أن تُغيِّر أمريكا النظام ولذلك حاولت عن طريق العملاء فلما فشلتا في ذلك وسمعت التصريحات الإيرانية أنها سوف تنسف إسرائيل وأنَّ الرد الإيراني سيكون على إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة.
يُضاف إلى ذلك أن الصين وروسيا زودتا إيران بأسلحة متقدمة في معركة بين أمريكا وإسرائيل من ناحية وبين إيران والصين وروسيا من ناحية أخرى، وقد تنضم كوريا الشمالية إلى هذه المعركة؛ ولذلك يتردد أن نتنياهو يريد للمفاوضات أما أن تتعثر فتظل أزمة العلاقات الإيرانية قائمة وإما أن يتضمن الموقف الأمريكي شروط إسرائيل، وهي أن يتم تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية وأن تتخلى إيران عن ساحات المقاومة الأخرى الأربعة.
وفي هذا الطرح تتفق إسرائيل مع أمريكا تمامًا. ولكن الموقف الإيراني على لسان وزير خارجية إيران يفيد بأن إيران قبلت المفاوضات حتى تختبر نوايا أمريكا وإسرائيل فيها، وهي متأكدة أن هذه المفاوضات لن تجنب المنطقة الانفجار. وأكد وزير خارجية إيران أن جولة المفاوضات التي عقدت يوم الجمعة الثالثة من شعبان كانت في مسقط بدلًا من إسطنبول التي اعترضت عليها أمريكا وإسرائيل. والمشكلة أن أمريكا لا ترى مصالحها الأمريكية في المنطقة وإنما ترى فقط مصلحة إسرائيل. ولهذا السبب هناك ثورة عارمة في أمريكا ضد ترامب وتحركاته ضد إيران كما أن الكونجرس عازم على محاسبة ترامب على تجاهله في هذا الملف، كما تجاهله في ملف فنزويلا وأظهر الولايات المتحدة أنها دولة عظمى لا تحترم القانون الدولي وتسعى إلى إهداره، كما تسعى إلى إشاعة الفوضى واستخدام القوة في العلاقات الدولية.
هدف أمريكا من ذلك هو أن تظهر أن القوة تنتج الحق وأن القوى يفرض المشروعية على الطرف الضعيف ومعنى ذلك أن أمريكا ليست مقتنعة بالقانون الدولي المرافق لميثاق الأمم المتحدة. وتريد أمريكا في هذه المفاوضات أن تُملى على إيران ما دامت قد حشدت قوتها البحرية والجوية حول إيران ولكن إيران رفضت هذا التهديد وأصرت على أن المفاوضات لها موضوع واحد وهو الملف النووي الإيراني وأن ثوابت الموقف الإيراني في هذا الملف هي عدم التخلي عن تخصيب اليورانيوم على أراضيها. كما أنها تقبل التفاوض على نسبة التخصيب وضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول سلمية استخدام النووي في إيران وعدم تحوله إلى سلاح نووي رغم أزمة العلاقات بين إيران والوكالة.
أما أمريكا؛ ففي نهاية المطاف سوف تأخذ بوجه نظر إسرائيل التي ترفضها إيران تمامًا ونتوقع انقطاع المفاوضات بعد الجلسة الأولى. وقد أكد وزير خارجية إيران أن أمريكا إذا غيرت موقفها فسوف لن تكون هناك مفاوضات، خاصة وأن الجولة الأولى لم تحدد موعدًا للجولة الثانية وتقدير إيران أن الموقف الإسرائيلي المؤثر على الموقف الأمريكي سوف يفشل هذه المفاوضات وأنه إذا تجاوبت أمريكا مع المطلب الإيراني، فإن إيران سوف تنظر لتحويل المفاوضات غير المباشرة إلى مباشرة. ويقصد وزير خارجية إيران استدراج أمريكا وعدم أخذها للموقف الإسرائيلي وبحثها عن مصالحها ما دامت أمريكا قررت في نهاية المطاف ألا تتملك إيران سلاحا نوويا وأن إسرائيل هي وحدها الدولة النووية في المنطقة. لكن هذا لا يكفي بالنسبة لإسرائيل.
الخلاصة، أننا نتوقع أن أمريكا سوف تتبنى الموقف الإسرائيلي الذي ترفضه إيران وأن الانفجار قادم لا محالة. ولذلك فإن الصين وروسيا جادتين في دعمهما لإيران وأنهما يعاديان الولايات المتحدة وليس إسرائيل. كما إن الموقف الأمريكي تجاه الملف النووي الإيراني يُرضي دولا عربية بصرف النظر عن إعلان بعض الدول العربية تضامنها مع إيران وإعلان البعض الآخر أنه لن يسمح باستخدام القواعد العسكرية الأمريكية في أراضيه ضد إيران؛ لأن إيران هددت هذه الدول بأنها والقواعد الأمريكية سوف تكون أهدافًا مشروعة لإيران.
أما محاذير الضربة الأمريكية المحتملة لإيران فهي كالآتي:
أولًا: أن إسرائيل ستكون هي الطرف الخاسر في هذه المعركة. كما أن إيران سوف تتأثر كثيرا بهذه الضربة.
ثانيًا: أن الشرق الأوسط كله سينفجر في حركة تصفية حسابات مريرة.
ثالثًا: أن الحرب الإقليمية قد تتحول إلى حرب نووية عالمية فتبيد الجنس البشرى في هذه المنطقة والسبب إسرائيل وأمريكا. وربما تتحفظ الصين وروسيا على هذه النتيجة. ولا بُد أن يشعر ترامب ونتنياهو أنهما السبب المباشر في عالمية الحرب.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
