لُغز العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ومحاولات تفسيره

 

 

 

د. عبدالله الأشعل **

العلاقات الإسرائيلية الأمريكية هامة للمنطقة العربية والشرق الأوسط، لأن إسرائيل زُرعت لإذلال العرب وتسيد الشرق الأوسط. ولم تتطور هذه العلاقات، وإنما كان من تقاليد البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية أن إسرائيل امتداد لأمريكا.

وبالفعل، فإن الملك فاروق عندما اتخذ موقفًا لا يرضي الولايات المتحدة وإسرائيل، عمدت أمريكا وبريطانيا إلى ضبط النظام في مصر بحيث ينتهي النظام إلى ما انتهى إليه أنور السادات، وهو التقارب بين مصر وإسرائيل. ومصر هي الجائزة الكبرى للمشروع الصهيوني.

وظلت إسرائيل عقدة الولايات المتحدة في المنطقة، ويتسابق الرؤساء الأمريكيون على خدمة إسرائيل، وكلهم قدم خدمة كبرى لإسرائيل حسب احتياجاتها، ولكن ترامب نذر نفسه لخدمة إسرائيل ومكّنها من العالم العربي، ويريد أن يزيل التهديد الوجودي لها وهو إيران، لأن إيران تساعد المقاومة، وفي نفس الوقت المقاومة تضر إسرائيل وتشكل هاجسها الوجودي.

أما إيران، فعداء ترامب لها يستند إلى أساسين: الأول أن إيران تمثل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، كما أن الحكام العرب أو معظمهم يعادي إيران مقابل أن أمريكا وإسرائيل تحافظان على كراسي الحكم عندهم حتى لو كانت تهدد مصالح أوطانهم. الثاني أن إيران قلعة إسلامية، وسياسة نتنياهو وترامب أن يقتلعوا الإسلام من جذوره.

والحق أن واشنطن والغرب كانوا دائمًا يحاربون الإسلام والمسلمين، لدرجة أنهم اخترعوا إسلامًا جديدًا تقوده الإمارات، وهو الدين الإبراهيمي الذي يدخل الصهيونية ضمن مكوناته، أي أن مساندة الصهيونية تعتبر واجبًا دينيًا. كما قال لي كبير الحاخامات في مؤتمر مدريد في القرن الماضي إنهم يفسرون التوراة على أنها تحض على دعم إسرائيل، فدعم إسرائيل يعتبر واجبًا دينيًا توراتيًا. ولذلك رجال الدين الصهاينة لا علاقة لهم باليهودية، وهم يحرفون الكلم عن مواضعه كما أخبرنا القرآن الكريم عن اليهود.

إذا كان القرآن الكريم تحدث عن اليهود بهذه اللهجة، فما بالنا باللصوص الصهاينة الذين يسكنون إسرائيل وهم لا علاقة لهم باليهودية ولا ببني إسرائيل. ولذلك فإن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لا تقبل الانفصال أو التذبذب أو التغير، وسُكب حبر كثير في تفسير هذه العلاقة الغريبة.

ولكن التفسير الأصح عندي هو أن أمريكا نموذج مبكر للصهيونية في القرن الخامس عشر عندما غزت أمريكا الشمالية وأبادت سكانها الأصليين تطبيقًا لنظرية البقاء للأقوى. أمريكا بُنيت على القوة أصلًا وليس على القانون، فأرادت أن تستزرع إسرائيل كنسخة أخرى منها. ولذلك فإن الأنجلوسكسون يستعلون على مكونات المجتمع الأمريكي.

ومن ضمن التفسيرات التي قُدمت لتفسير العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أنها مكلفة اقتصاديًا. وثانيًا أن دافع الضرائب الأمريكي يضحّي من أجل إسرائيل دون مصلحة أمريكية ظاهرة، ولكن المصلحة الأمريكية كامنة في التفسير التاريخي والصهيوني لنشأة الصهيونية.

وإذا كانت أمريكا بعيدة في المراحل الأولى من نشأة إسرائيل، فإنها كانت تساند بريطانيا العظمى في ذلك الوقت. ونُحيل في هذا الصدد إلى الكتاب القيم الذي نُشر في الكويت عام 1985 وهو *الصهيونية غير اليهودية*، وكتبته مؤلفة أمريكية متزوجة من فلسطيني. ومصداقًا لذلك قال الرئيس بايدن إن الشخص لكي يكون صهيونيًا لا يُشترط أن يكون يهوديًا. كما أن وزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو الحالي في أول زيارة له لإسرائيل أكد أنه جاء لإسرائيل بصفته يهوديًا وليس بصفته وزير خارجية أمريكا.

والطريف أن الدول العربية والإسلامية جميعًا كانت في مرحلة معينة لا تقبل السفراء الأمريكيين اليهود. ولكن أعتقد أنه في الوقت الحالي أصبح السفراء الأمريكيون في الدول العربية يهودًا أو صهاينة بمعنى أدق. ومثال ذلك أن السفير الأمريكي في إسرائيل، وهو بالطبع يهودي صهيوني، كان قد تجسس على أمريكا لصالح إسرائيل، وظن المراقبون أنه سيُحاكم بتهمة الخيانة العظمى، فإذا به يُكافأ بأن عُيّن مبعوثًا أمريكيًا للشرق الأوسط. كان ذلك أيام وزيرة الخارجية الأمريكية الشهيرة كوندوليزا رايس السمراء التي شهدت في الكونجرس بأن أحداث 11 سبتمبر لغز كبير، ومادام بن لادن اعترف بأنه هو الذي فجّر البرجين فلابد من التخلص منه. ولا يُعرف على وجه الدقة مصير بن لادن، خاصة وأن التصريحات الأمريكية لا تتمتع بأي مصداقية.

وانشغل المثقفون العرب في ستينات القرن الماضي في تفسير العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، فذهبوا إلى أن اللوبي الصهيوني هو السبب في نجاح وفشل الرئيس الأمريكي، ولكن تبين في ضوء مأساة غزة منذ عام 2023 أن أمريكا تستخدم إسرائيل في إبادة الفلسطينيين في غزة، كما تلعب أدوارًا واسعة في حماية إسرائيل من النقد وتمكينها من التصرف فوق القانون الدولي. ومادامت إسرائيل تجسيدًا للمشروع الصهيوني السياسي، كما أنها تمثل الكومنولث الصهيوني ونقطة تجمع لصهاينة العالم، فإن إسرائيل تتمتع بمكانة خاصة لدى أمريكا. ولذلك تزول إسرائيل عندما تتراجع أمريكا في الشرق الأوسط ويخف الضغط الأمريكي على الحكام العرب، فيلتفتون إلى مصالح أوطانهم ودولهم.

وقد بدأت بشائر هذه المرحلة وهذه النتيجة بعد طوفان الأقصى. ولذلك اعتبر الرئيس ترامب مصلحة إسرائيل أساسية بالنسبة لأمريكا، ويعادي المقاومة أكثر من عداء إسرائيل لها. وكان نتنياهو قد زار ترامب قبل موعد الزيارة المقرر لكي يفرض شروطه على الوفد الأمريكي المفاوض في عمّان. وتدرك إيران هذه الحقائق، ولذلك هددت أمريكا، لأن أمريكا إذا ضربت إيران فسوف ترد الضربة على إسرائيل وتفنيها، وفي هذه الحالة من حق إيران أن تتزعم المنطقة العربية والإسلامية بعد زوال إسرائيل.

والثابت أن ترامب يضحّي بسمعة أمريكا في مخالفة القانون الدولي لصالح إسرائيل، ويريد أن يعود بالعالم إلى حكم الغاب حيث القوة هي معيار الحق، مضحيًا بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

والراجح أن ترامب أجّل هذه الضربة لإيران إلى وقت تخف فيه آثار الرد الإيراني على هيبة الولايات المتحدة. والراجح أن ترامب علم بأن إيران طوّرت السلاح النووي، واعترف بذلك وزير خارجية إيران عندما قال إن إيران من حقها تطوير السلاح الذي تستخدمه في الدفاع عن نفسها. كما أن ترامب علم أن روسيا والصين وكوريا الشمالية تريد أن تستخدم إيران ضد الولايات المتحدة. ويخشى ترامب أن يُتهم بأنه السبب في حرب عالمية، فلذلك الراجح أنه فتح خطوطًا سرية مع روسيا والصين.

أما المفاوضات الأمريكية الإيرانية فقد خلصنا إلى أنها وسيلة مؤقتة لتجنب الحرب الشاملة، ولكن ترامب بدفع من إسرائيل مصرّ على تغيير النظام في إيران، ولا يهم ترامب الدولة الإيرانية وإنما تهمه سياسات النظام التي اشتكى منها نتنياهو وأعلن أنه سيهاجم إيران سواء وافقت الولايات المتحدة أو اعترضت.

والثابت أن إسرائيل لا تستطيع أن تواجه إيران دون أمريكا ودعمها. والثابت أيضًا أن إسرائيل بدون الدعم الأمريكي لا تستطيع أن تبقى ساعة واحدة في المنطقة.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z