الغياب الذي لا ننتبه له

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في كل مؤسسة، هناك موظفون يلفتون الانتباه بحضورهم، وآخرون بغيابهم. لكن أخطرهم- على الإطلاق- أولئك الذين لا يلفتون الانتباه بشيء. لا يشكون، لا يعترضون، لا يطلبون، ولا يصطدمون. يؤدّون ما طُلب منهم، ثم يغادرون بهدوء وانتظام. وغالبًا ما تُخطئ الإدارة حين تفسّر هذا السلوك المتزن على أنه رضا أو استقرار، بينما هو- في كثير من الأحيان- انسحاب داخلي غير مُعلن يصعب رصده.

هذا النوع من الموظفين لا يُصنَّف ضمن "غير المنتجين"، ولا يُدرج في تقارير الإشكالات، ولا يظهر في شكاوى الموارد البشرية؛ بل قد يُوصَف أحيانًا بأنه "مريح"، لأنه لا يربك المشهد، ولا يطالب، ولا يُحرج الإدارة بأسئلة صعبة أو مواقف محرجة. لكن الحقيقة أن هذا الهدوء ليس دائمًا علامة صحة، بل قد يكون أول مؤشرات الانفصال النفسي عن العمل؛ حين يصبح أداء الدور منفصلًا عن معناه.

الفرق بين الاستقرار والانسحاب دقيق، لكنه جوهري. الموظف المستقر حاضر ذهنيًا، يتفاعل، يُبادر، يُشارك، يُخطئ ويتعلّم. أما الموظف المنسحب، فوجوده شكلي: يؤدي الحد الأدنى، ويتجنّب المبادرة، ويضع مسافة آمنة بينه وبين أي التزام يتجاوز الوصف الوظيفي. لا لأنه كسول أو ضعيف الدافعية، بل لأنه تعلّم بالتجربة أن الجهد الزائد لا يُقابل بتقدير حقيقي، ولا ينعكس أثره على مساره الوظيفي.

وغالبًا لا يبدأ هذا الانسحاب فجأة. يبدأ بخيبة صغيرة: فكرة لم تُسمع، جهد لم يُقدَّر، ملاحظة صادقة أُسيء فهمها، أو قرار اتُّخذ دون إشراك أصحاب العلاقة. ومع التكرار، يتعلّم الموظف درسًا قاسيًا: أن السلامة لم تعد في المبادرة، بل في التراجع خطوة إلى الخلف. فيُعيد ضبط توقعاته، ويقلّل حضوره الذهني، ويتوقف عن المحاولة، لا احتجاجًا ولا تمرّدًا، بل حفاظًا على طاقته وكرامته واستقراره النفسي.

المفارقة أن المؤسسات تخسر بهذا النوع من الغياب أكثر مما تخسره بالاستقالة الصريحة. فالاستقالة تُعلن الخسارة وتُجبر الإدارة على المواجهة، أما هذا الانسحاب غير المعلن فيُخفيها خلف مؤشرات شكلية من الانضباط والاستمرارية. تخسر المؤسسة الأفكار، والروح، والاستعداد للعطاء، دون أن تشعر. يبقى الجسد حاضرًا في المكتب، بينما يتآكل المعنى، وتضعف العلاقة بين الإنسان والعمل تدريجيًا، حتى تتحول الوظيفة إلى أداء آلي بلا روح.

وهنا تبرز مسؤولية القيادة، لا في مساءلة المنسحبين أو الضغط عليهم، بل في قراءة هذا الغياب غير المعلن قبل أن يتحول إلى ثقافة عامة. فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يتحدث الموظفون؟ بل: ما الذي جعل التعبير مخاطرة؟ وما الذي جعل التراجع خيارًا عقلانيًا داخل بيئة يُفترض أنها تشجّع المشاركة وتثمّن الصراحة؟

المؤسسات الناضجة لا تقيس الولاء بعدد الشكاوى، ولا الرضا بغياب الأصوات الناقدة. بل تقيسه بقدرتها على إبقاء الناس حاضرين بوعيهم، لا بأجسادهم فقط؛ حاضرين بأفكارهم، وبمبادرتهم، وبشعورهم بأن وجودهم يُحدث فرقًا. لأن أخطر ما قد تواجهه أي مؤسسة ليس الغضب، ولا حتى الرفض العلني، بل اللامبالاة الهادئة التي تتسلّل دون إنذار، وتفرغ المكان من روحه ببطء.

وربما آن الأوان أن نعيد النظر في هذا النوع من الهدوء الذي نطمئن له كثيرًا داخل إداراتنا. فليس كل هدوء استقرارًا، ولا كل غياب علامة راحة.

أحيانًا، حين ينسحب أفضل الناس بهدوء، لا تخسر المؤسسة ضجيجهم… بل تخسر بوصلتها، وقدرتها على تصحيح مسارها في الوقت المناسب.

 

 

 

 

 

 

 

 

الأكثر قراءة

z