ريما حمزة.. الخيط الذي صار وترًا

 

 

 

عمارة إبراهيم **

 

تمثل تجربة الشاعرة ريما حمزة في هذا الديوان، "الخيط الذي صار وترًا"، المنشور باللغة العربية، التجارب الشعرية التي تمثل الحداثة في بنيتها وتراكيبها وأحوالها، وبما يعتنق ويؤمن بعمل وجدانية الشعر العربي الحر الجديد، رغم أنه ابن تراثه الشعري في بساطة ألفاظه، وعمق بنيته الشعرية التي تعتمد علي التناص الثقافي وعلي المجاز الشعري الحديث، وعلى بنية التفلسف الشعري الذي ينبض من جوهر أحداثه وواقعية المعايشة الوجدانية وهي تستلهم في بنيته امتدادا شعريا لتراثه الشعري والثقافي، لتتنوع بنيته الشاعرة ما بين الفلسفي وبين الواقعي غير المباشر، والذي يعمل وفق فنية الشعر في تراكيبه المستحدثة في قاموسها وفي أحوالها وفي إيقاعاتها حتى يتحقق منها، في قراءته وصف السهل الممتنع.

التجربة الشعرية هنا تديرها اللغة المتحققة من بنية أفعالها، وهي تستحضر إيقاعاتها وتوزيعات وتداخل موسيقاها الشعرية عبر حركية هذه الأفعال من دفقة مشحونها الشعري الذي اختمر من تأثرها بأحوال الأمة، وقضايا أفعالها وواقعها المرتهن بهذه الأحوال، من خلال العلاقة الجوهرية التي تربط البنية العامة التي يمثلها الخاص والعام، وأثر كل هذه التنويعات والتوزيعات على البنية الشعرية داخل الديوان؛ فترسم موسيقاه الحرة بتوزيعات العمل، الذي يقتضي حضورا متناغما بين أدواته ومكونات البنية الشعرية التي تأقعت من لغة الأفعال وألفاظها المستخدمة، وتفاعل التناص الذي يربط بين حاضر الحدث وماضيه المشابه. تتلقفها خبرة الكتابة وثقافة الشاعرة في دمج هذه التنويعات في تراكيب تمنح الإيقاع حضوره الحر من دون ترتيب ذهنية قد تضر بهذه الوحدة الشعرية اللافتة.

والشاعرة في هذا الديوان رسمت عوالم بنيتها الشعرية، من خلال تقنية السرد الشعري المتتالي الذي يربط حضور الذات وأثر الأحداث على هذه الذات، بعدما وقعت أسيرة بين أنياب قضايا أمتها وألم المعاناة التي تعيشها، بسبب الحروب وما شابهها، وبين الذات الأنثى وهي تبحث عن ظل المرأة التي تكونها، بين نبض القصائد، وبين حقيقة المرأة التي وصفتها داخل قصيدة من قصائد الديوان، بالمرأة المنقطة بالندى، تضحك كأن الغيم سقط على كتفيها عن عمدٍ وكانت ترتدي المطر حتى لا يشك أحد أنها تبكي.

لتمثل هذه المعايشة الإنسانية حضورا فنيا ساردا لتفاصيل مشحونها الشعري عبر دفقته الوجدانية، بما يحمل من عملية الرصد الذي يقيم علاقة كاملة بين نصوص الديوان، وبين فنية شعريته المتدفقة من بنية أحواله، التي تربط عوالمها الشعرية، بين الذات ومعايشتها الخالصة لقضايا أمتها، وبين الأثر الذي أنتجته هذه المعايشة على الحضور الأثر على المرأة التي بداخلها، فتتحول إلى امرأة ترتدي المطر حتى لا يظن البعض أنها تبكي.

الشاعرة في هذا الديوان تأثرت بقوة بمنطوق تراثها الشعري رغم إجادتها الفاعلة في رسم أبنية هذه العوالم الشعرية، ورسم صورها في ثوب لباس الحداثة على جسد القصيدة؛ فكانت البنية السردية التي اعتمدت على إنتاج صورة مجاز الشعرية، لكنه المجاز الشعري الجديد الذي يعتمد علي واقعية الحدث، مرسوما بعوالمه من فضاءات الخيال الشعري، وهو يجسد هذه الواقعية في شعرية المجاز الحديث، كما أن العناصر الثقافية التي استخدمتها ، لتمثل التناص الداعم جماليا، وتوثيقا، يتوالد من الاهتمام بإنجاز القصيدة العربية التي تحلق في سماوات وفضاءات شعرية التجديد والحداثة.

إن التجربة الشعرية التي استحضرتها الشاعرة في هذا الديوان، وهي تبرز همها الأول بالقضايا العربية وخاصة غزة وأحداثها الدموية الأخيرة، كما تهتم بعموم القضايا الإنسانية التي تمثلها الذات الساردة بحسب ضروراتها الشعرية المنسجمة مع بنية الحداثة التي تتبناها عبر مشحونها الوجداني الحر، لتنجز قصيدة جديدة، تحافظ على نسقها الشرقي الذي يتفاعل مع البيئة العربية التي تمثل زمن تأصيل أحداثها عبر شعريتها داخل الديوان؛ تلتقط فيها مراسم الأزمة الكبيرة التي فارت وأنهكت شعوبنا العربية، بمثل القدر الذي أنهك حضورها كامرأة تريد الحياة.

كما أن الشاعرة في ديوانها الخيط الذي صار وترًا، تريد أن تؤسس للشعرية العربية منهجها الخاص الذي يرتبط ببيئة وثقافة والفعل الزمني عبر تشكيلات شعرية حرة، تملك فضاءات العمل بمثل امتلاك أدوات وخبرات وموهبة الكتابة؛ فهي تقيـّم تجربتها بنفسها وتختار البنية الشعرية التي تنسجم مع نسق الكتابة التي تريد إنجازها، وقد ساعدها في ذلك امتلاكها لناصية اللغة والبحر المتسع من الثقافة الشعرية عبر وجودها حتى وصولها إلى هذا المنتج الوجداني الحر الذي يمثل القصيدة الجديدة، ويمثل الرصد والتأصيل لبنيتها عبر زمنها ومكان حضورها.

** شاعر وناقد مصري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z