الظلامُ الذي لا تراه المؤشرات

 

 

سعيد المالكي

 

 

يُقال لمن يصف معيشته أو يطالب بتحسينها: "لا تكن متشائمًا"، لا لأنه تجاوز في الوصف، ولا لأنه بالغ في التصوير، بل لأنه قال ببساطة: هذا ما نعيشه!

المشهد في جوهره ليس جديدًا، لكنه بات أكثر حضورًا في الخطاب العام؛ مواطن يتحدث عن واقع أليم، عن رواتب ضعيفة متآكلة، وعن أعدادٍ كبيرة من أبنائه الباحثين عن عمل، وعن الكثيرين ممن سُرِّحوا من أعمالهم، وعن أعباءٍ تتراكم على الأسر يومًا بعد يوم، فيأتيه في أغلب الأحيان الرد السهل: حديثك سوداوي!

متى أصبح توصيف الواقع سوداوية؟ ومتى أصبح التفكير في تحسين حياة الناس نغمةً مظلمة؟ المواطن لا يتحدث عن خيال، ولا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن الترف أو الامتيازات، بل عن حدٍّ أدنى من الاستقرار يليق بحياة كريمة. وهو بالتأكيد شاكرٌ لله، ثم لكل مسؤولٍ عمل بجهدٍ وإخلاص، غير أن أوضاع أعدادٍ كبيرة جدًا من الناس وأحوالهم المعيشية لا تتناسب مع ما يُعلَن عنه من حينٍ لآخر من إنجازاتٍ ومشاريعَ ضخمة، وما يُعرَف عن البلاد من امتلاكها مقدراتٍ وخيراتٍ تفوق حجم سكانها المحدود جدًا قياسًا بما تملكه من إمكانات، وغيرها من الأخبار التي تُظهِر أن الأمور في أحسن ما يكون. هو ينقل تجربة يومية تتكرر في البيوت، وفي المتاجر، وفي تفاصيل الحياة الصغيرة.

إلا أن الرد يأتي غالبًا بلغة أخرى: لغة المؤشرات، والأرقام، والتقارير التي تؤكد أن الأمور "على ما يرام." فأين يا ترى تكمن المشكلة؟

في منبرٍ وُجدَ في الأصل للنقاش العلني والمساءلة، يجتمع فيه من تم اختيارهم ممثلين عن إخوانهم وأخواتهم المواطنين لطرح قضاياهم ومناقشة أوضاعهم، يفترض أن يكون اختلاف الرأي جزءًا من دوره لا خروجًا عنه. هل أصبحت للأفكار ألوانٌ محددة، وللنقاشات تصنيفات مسبقة؟ وإن افترضنا وجود هذه الألوان، فما اللون المقبول حين يتحدث الممثل عن هموم من يمثلهم؟ ولماذا تحوّل الطرح في بعض الأحيان من نقاشٍ للواقع إلى ما يشبه الهجوم، ومن سؤالٍ عن الحلول إلى تشكيكٍ في النوايا؟

أرقام ومؤشرات قد تبدو منطقية على الورق، متناسقة في العروض، مطمئنة في الجداول لكنها، بغض النظر عن كيفية إعدادها أو الأسس التي بُنيت عليها؛ فهي عند الكثيرين لا تسددُ قسطًا، ولا تستوعب طابور المصاريف الأساسية، ولا تشرح لطفل لماذا تغيّرت أولويات أسرته؛ بل إن واقع المعيشة في حالات كثيرة لم يعد يصلح لتأسيس أسرة، في حين تستمر الفجوة بين خطابين: خطاب يصف ما يُعاش، وخطاب يطمئن بما يُقاس.

الأرقام لا تخرج بنفسها إلى الشارع، وتمر على الحارات والسكك، وتدخل البيوت بيتًا بيتًا، وتستطلع الأحوال بنفسها، قبل أن تعود مطمئنة لتقول لنا: كل الأمور على ما يرام.

السعي نحو الأفضل ليس سوداوية، والشكوى ليست جريمة، ووصف الواقع ليس خروجًا عن الصف.

السوداوية الحقيقية أن نُصرّ على أن كل شيء بخير، بينما نطلب من المواطن أن يتحمّل أكثر، ويصمت أكثر.

ولأن غايتي ليست مجرد تسجيل موقفٍ عابر، ولا الاكتفاء بوصف العتمة، بل المساعدة في البحث عن مسارٍ أهدأ وأبقى، فإن حديثي لا يكتمل دون التوقف عند جوهر العلاقة بين الوعي والإدارة.

المواطن حين يناقش، فهو لا يفعل ذلك من فراغ، بل لأنه مطّلع، وواعٍ، ويتابع، ويقارن، ويعيش الأثر المباشر لما يُقرَّر باسمه. النقاش في ذاته ليس تهديدًا، بل دليل حياة. وإدارة هذا الوعي- لا قمعه ولا مراوغته- هي إحدى أهم أدوات الاستقرار الحقيقي. ومن موقع الخبرة الإدارية، فإن احترام الإنسان الواعي، والحديث معه بوضوح، والاعتراف بتعقيد الواقع، أجدى بكثير من الالتفاف على تساؤلاته، أو تخويفه من التعبير، أو تحميله مسؤولية فجوة لم يصنعها. الوعي لا يُدار بإسكات الأصوات، بل بإشراكها، ولا يُواجه بالتشكيك، بل بالشفافية.

الخطر ليس في وعيٍ يسأل، بل في وعيٍ يُدفع إلى الصمت، أو يُقابل بالاستخفاف. وحين تُدار العقول كما تُدار الأرقام، بلا إنصات ولا سياق، تتسع المسافة بين ما يُقال وما يُصدَّق. أما حين يُحترم المواطن بوصفه شريكًا لا عبئًا، فإنه تلقائيًا سيُبدد الظلام الذي قد لا تراه المؤشرات.

الأكثر قراءة

z