الطبقة الوسطى.. بين الاستقرار والاستنزاف

 

خالد بن حمد الرواحي

في بيتٍ عاديٍّ تمامًا، تجلس أسرةٌ في نهاية الشهر أمام ورقة المصروفات: ليس لأن المال انقطع، بل لأن "المساحة" ضاقت. تُؤجَّل فكرة، ويُخفَّف بند، وتُختصر رغبةٌ كانت يومًا طبيعية. لا أحد يصرخ، لكن كل شيءٍ في الداخل يعرف أن الحمل يزيد.

في زحمة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، قد يبدو كل شيء مستقرًا من بعيد: نموٌّ متدرّج، مشاريع تتوسع، وأسواق تتحرّك بثقة. لكن داخل البيوت، هناك قصة أخرى أقل صخبًا؛ قصة طبقةٍ لا تتصدر العناوين، لكنها تحمل العبء الأكبر بثمنٍ إنسانيٍّ مرتفع: الطبقة الوسطى.

هذه الطبقة ليست مجرد وصف اقتصادي، بل حالة اجتماعية ونفسية. هي الموظف الذي يوازن بين التزامات لا تنتهي وطموحات لا يريد أن يتخلى عنها، والأسرة التي تعيد ترتيب أولوياتها كل شهر كي تحافظ على استقرارها دون شكوى واضحة. قد لا تبدو متعثرة، لكنها ليست مرتاحة أيضًا؛ تقف في منطقةٍ رمادية بين القدرة على الاستمرار والخوف من الانزلاق.

المفارقة أن صمت الطبقة الوسطى قد يكون أخطر من أي احتجاجٍ صاخب. فحين يشتكي من يعاني بشدة، تتحرك الأنظمة بسرعة، وحين يزدهر من يملك وفرة، تستمر العجلة بثقة. لكن حين تبدأ هذه الطبقة في التآكل بهدوءٍ متواصل، يتراجع الإحساس بالأمان، وتضيق مساحات الأمل، ويصبح التخطيط للمستقبل أقرب إلى إدارة للأزمات اليومية.

لا يظهر هذا التآكل دائمًا في الأرقام، بل في تفاصيل صغيرة: تأجيل تعليم الأبناء، تقليص الأنشطة، والتردد قبل قرارات كانت يومًا عادية. ومع الوقت، يتحول الحذر المالي إلى حالة نفسية تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعمل والحياة. فالاستقرار الأسري ليس دخلًا فقط، بل شعورٌ بأن جهد اليوم يصنع غدًا أفضل.

من هنا، تبقى الطبقة الوسطى العمود الفقري لأي مجتمع يسعى إلى توازن طويل الأمد. قوتها تعني استهلاكًا أكثر استقرارًا وابتكارًا أكثر حضورًا، بينما استنزافها ينعكس على المزاج العام والثقة في "قيمة الجهد".

غير أن الحديث عن الاستنزاف لا يعني رسم صورة قاتمة؛ فالكثير من السياسات تسعى لتحقيق التوازن بين النمو والاستدامة، كما أن الأفراد يملكون قدرة على التكيّف وإعادة ترتيب الأولويات. لكن السؤال يظل حاضرًا: كيف نحافظ على تماسك هذه الطبقة دون أن ننتظر لحظة الإرهاق الكامل؟

ربما يبدأ الجواب من إعادة تعريف الرفاهية؛ فهي ليست زيادة في الدخل فقط، بل القدرة على التخطيط دون قلق دائم. وتتحقق عبر منظومة تعزز الاستقرار الوظيفي، وتفتح مسارات التطور المهني، وتخفّف كلفة الحياة الأساسية بما يمنح الإنسان مساحة للتنفس، ويعيد الاعتبار لقيمة الوقت العائلي.

الوعي الفردي لا يقل أهمية عن السياسات العامة؛ فكثير من الضغوط ترتبط بتوقعات اجتماعية مرتفعة أو أنماط استهلاك لا تعكس الأولويات الحقيقية. وهنا يصبح الوعي المالي أسلوب حياة يساعد الأسرة على التمييز بين ما هو ضروري وما يمكن تأجيله، وبين راحة مؤقتة واستقرار طويل الأمد.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق: ماذا يحدث حين تستمر الطبقة الوسطى في هذا المسار؟ قد لا يظهر التغيير فجأة، لكنه يتسلل إلى قرارات الشباب ونظرة الآباء للمستقبل، وحتى إلى علاقة الإنسان بوطنه حين يشعر أن المسافة بين الجهد والنتيجة أصبحت أطول مما يحتمل.

في النهاية، لا تُقاس قوة المجتمعات بثراء القلة أو صبر الأكثرية فقط، بل بقدرة الطبقة الوسطى على العيش بكرامة دون التخلي عن أحلامها الأساسية. فحين تُستنزف تدريجيًا، لا يختل التوازن الاقتصادي وحده، بل يتغير الإيقاع الإنساني للحياة. وحين نحتفي بالمؤشرات، علينا أن نتذكر أن "البيوت" هي المؤشر الأصدق. وربما آن الأوان أن نسأل بهدوء: هل نراقب الأرقام فقط، أم نصغي أيضًا لما لا يُقال داخل البيوت؟

الأكثر قراءة

z