الأثر قبل الغياب

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

 

في زمن تتسارع فيه العلاقات كما تتسارع الأخبار علاقات منها القوي الذي لا يتأثر بالأيام وتقلباتها ومنها الهش كعلاقات المصالح الشخصية والعلاقات العابرة، وتتبدّل فيه القيم تحت ضغط اليومي والعابر، تبرز عبارات وحكم جميلة لو تمعنا فيها لوجدنا أنها قليلة في العدد بكلماتها وحروفها ولكنها تحمل الكثير من المعاني وتختصر كل حكمة منها تجربة طويلة، ومن بينها القول والحكمة القائلة «وإيّاك أن تُعاتب من هُنت عليه، فلا عتاب لمن استباح أذيّتك»، عبارة مكثّفة لكنها تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول معنى العتاب، وحدوده، ومتى يتحوّل من وسيلة إصلاح إلى ذريعة لاستمرار الألم.

العتاب في جوهره فعل أخلاقي راقٍ يُفترض أن ينبع من محبة واحترام متبادل، ومن رغبة صادقة في التصحيح والحفاظ على ما تبقى من الود، غير أنَّ هذه الوظيفة النبيلة تتبدّد حين يُوجَّه العتاب إلى من أسقطك من حساباته، أو جعل من أذيتك أمرًا مباحًا لا يُثير في داخله وخز ضمير، هنا فقط لا يعود العتاب جسرًا للحوار لكنه يتحوّل إلى تنازل جديد يُضاف إلى سجل الخسائر، فتكشف العبارة محلّ النقاش عن حقيقة نفسية واجتماعية مُعقّدة وهي ليس كل صمت ضعفًا، وليس كل عتاب قوّة، فحين يهون المرء على غيره، يصبح العتاب اعترافًا ضمنيًا بأن العلاقة لا تزال متكافئة، بينما الواقع يقول عكس ذلك، من استباح أذيتك قد اتخذ قراره بالفعل، وسمح لنفسه بتجاوز حدود الاحترام، وربما وجد في صبرك مساحة أوسع للتمادي، فهل يُجدي العتاب مع من لم يعد يعترف بحدود؟

ويمكن قراءة هذه العبارة بوصفها مرآة لتحولات العلاقات الإنسانية في المجتمعات الحديثة؛ حيث باتت المصالح، والسرعة، والأنانية، عناصر حاضرة بقوة، لم يعد الانسحاب من علاقة مؤذية يُنظر إليه دائمًا كفشل لكنه صار في كثير من الأحيان تعبيرًا عن وعي وحدود شخصية، فالثقافة التي تُمجِّد «تحمُّل الأذى» تحت مسمّى الوفاء، بدأت تتراجع لصالح ثقافة تحترم السلام النفسي وتضع له أولوية. وفي المقابل لا تدعو العبارة إلى القطيعة العمياء أو إلى إلغاء قيمة العتاب مطلقًا، إنما تضع شرطًا أخلاقيًا واضحًا "أن يكون العتاب موجّهًا لمن لا يزال يراك، ويقدّرك، ويخطئ دون قصد أو وعي، أما من جعل من أذيتك عادة فعتابك له ليس سوى إعادة فتح جرحٍ لم يعد صاحبه مهتمًا بتضميده، العتاب هنا يفقد معناه لأن الطرف الآخر لم يعد يرى في الألم خطأً يستوجب الاعتذار، بل حق مكتسب.

ومن زاوية اجتماعية أوسع، يعكس هذا القول تحوّلًا في مفهوم الكرامة الشخصية، الكرامة في حقيقتها ممارسة يومية تتجلى في اختيار من يستحق البقاء في دائرة القرب، ولم تعد مجرد شعار، حين تقول «لا عتاب»، فأنت لا تختار القسوة لكنك تختار حماية الذات، وهذا الاختيار وإن بدا صعبًا قد يكون الطريق الوحيد لاستعادة التوازن الداخلي، كما يسلّط هذا المعنى الضوء على مشكلة شائعة في العلاقات الخلط بين الصبر والحكمة، فالصبر فضيلة حين يكون في موضعه لكنه يتحوّل إلى استنزاف حين يُمنح لمن لا يستحق، والعتاب وإن كان في ظاهره شجاعة قد يكون في بعض الأحيان خوفًا من الفقد، أو تعلّقًا بصورة قديمة لعلاقة لم تعد موجودة فهنا يصبح الصمت موقفًا، والابتعاد قرارًا واعيًا، لا هروبًا.

في المشهد الإعلامي والثقافي، تتردّد هذه الأفكار بكثرة لأنها تمسّ وجدان القارئ وتلامس تجاربه اليومية، قصص العلاقات المؤذية، سواء في الأسرة أو العمل أو الصداقة، باتت موضوعًا حاضرًا في المقالات والحوارات، والرسالة التي تتكرّر هي أن الحفاظ على النفس ضرورة وليس أنانية، وأن من لا يحترمك في وجودك، لن يقدّرك في عتابك، وتحمل عبارة «وإيّاك أن تُعاتب من هُنت عليه، فلا عتاب لمن استباح أذيّتك» دعوة صريحة لإعادة تعريف العتاب، ووضعه في مكانه الصحيح، هي تذكير بأن بعض الأبواب تُغلق لا لأننا عاجزون عن الطرق ولكن في الحقيقة لأن ما خلفها لم يعد يستحق، وبين العتاب والصمت قد يكون الصمت أبلغ، حين يكون العتاب مجرد صدى لا يسمعه أحد.

الأكثر قراءة

z