فوزي عمار
عندما نتحدث عن "التنمية"، غالبًا ما يذهب الذهن مباشرة إلى الأرقام الاقتصادية الجافة: معدلات النمو، والناتج المحلي، وحجم الاستثمارات. لكن الحقيقة التي بدأ العالم يدركها تدريجيًا هي أن التنمية الحقيقية لا يمكن اختزالها في جدول إحصائي. بينما يرصد "النمو الاقتصادي" الارتفاع في الأرقام، تبحث "التنمية" عن ارتقاء الإنسان نفسه. هي ذلك المفهوم الشامل الذي يجعل من الصحة والتعليم وجودة الحياة والعدالة الاجتماعية مقاييسَ حيّة لتقدّم الأمم. وهنا نصل إلى فكرة أعمق، هي ما أود أن أطلق عليه
"ما وراء التنمية" META Development.
ما وراء التنمية هي النظر إلى تلك المنطقة التي تلي تحقيق المؤشرات التقليدية، حيث تبدأ الفوائد غير المباشرة للاستثمار في البشر والمجتمع بالظهور. إنها فلسفة ترى أن إنفاق المال على مجال قد يبدو "كماليًا" هو في حقيقته استثمار ذكي يقلل النفقات في مجالات أخرى أثقل، ويبني مجتمعًا أكثر تماسكًا. لنتأمل الاستثمار في الرياضة كمثال جلي. فما يبدو للوهلة الأولى إنفاقًا على الملاعب، هو في الحقيقة وقاية صحية واجتماعية؛ فمجتمع نشيط هو مجتمع أقل إصابة بالأمراض المزمنة، مما يخفف العبء الهائل على أنظمة الصحة. كما أن الرياضة تسحب البساط من تحت أقدام الانحراف الناتج عن الفراغ، وتعلّم قيمًا لا تُقدّر بثمن كالعمل الجماعي والانضباط. وهذا المبدأ نفسه ينطبق على الاستثمار في الثقافة والفنون، التي تولّد مجتمعًا أكثر إبداعًا وتسامحًا.
هذه الرؤية تقودنا إلى سؤال جوهري: ما هو الهدف النهائي لكل استثمار في الإنسان؟
هنا يأتي إسهام عالم الاقتصاد الهندي أمارتيا صن، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، حين عرّف التنمية بأنها "عملية توسيع للحريات الحقيقية التي يتمتع بها الناس". هذا التعريف هو الجسر الذي يربط بين فلسفة "ما وراء التنمية" والممارسة القابلة للقياس؛ فالمشاريع التي ناقشناها تتحول من كونها "خدمات" إلى كونها موسّعات للحريات: حرية أن تعيش حياة صحية من خلال إزالة العوائق كغياب المساحات الآمنة، وحرية المشاركة الثقافية والوصول إلى المعرفة من خلال المكتبات والمتاحف، وحرية الانتماء والأمان من خلال التماسك الاجتماعي. بهذا الفهم، ننتقل من التنمية كعملية تقنية إلى التنمية كمسيرة تحرّر للإنسان، حيث يصبح المواطن فاعلًا حرًا قادرًا على تشكيل حياته.
لكن هل يكفي هذا الفهم المعاصر لوحده؟ هنا يطل علينا تراث فكري عريق ليقدّم نموذجًا بديلًا ومتكاملًا، هو "العمران الخلدوني". ينتقد ابن خلدون التمركز حول النمو الاقتصادي، ويرى أن العمران البشري لا يمكن اختزاله في المؤشرات المادية؛ بل هو نسيج متكامل من العلاقات الاجتماعية، والتراكم المعرفي، والنظام الأخلاقي. في نموذجه، الدولة القوية لا تُقاس بحجم اقتصادها فقط، بل بقدرتها على حفظ العدل الذي هو أساس العمران، وبحفاظها على التوازن بين البساطة والترف. بينما يقوم النموذج التنموي الغربي على سردية خطية للتقدم، يقدّم العمران الخلدوني نموذجًا دوريًا يحذّر من "فساد العمران" عندما تطغى الرفاهية على القيم، فيصبح الترف مؤذنًا بالخراب.
من هذا المنظور الخلدوني، لا تُستورد التنمية؛ بل تنبثق من التفاعل بين البيئة الجغرافية، والتراث الثقافي، والغاية المعنوية. والتعاون، وليس المنافسة وحدها، هو المحرّك الاقتصادي الحقيقي، بينما يُعدّ التضامن الاجتماعي وتوزيع الثروة شرطين لاستقرار الدولة.
لذلك، فإن رؤية "ما وراء التنمية" تعني التكامل بين الجوانب المادية والمعنوية، والتركيز على اقتصاد الكفاية لا الجشع، وبناء دولة العدل لا دولة النمو فقط، والارتقاء بالتربية الحضارية التي تجمع بين المعرفة التقنية والحكمة الإنسانية.
في الختام.. لم تعد التنمية مجرد توفير خدمات أساسية. لقد أصبحت فنًا في رؤية الروابط الخفية بين مجالات الحياة.
التحول من "التنمية" إلى "ما وراء التنمية" يعني الانتقال من نموذج كمي خطي يسعى لملء الجداول، إلى نموذج نوعي تراكمي يهتم بجودة النسيج الاجتماعي واستمرارية الإنجاز الحضاري. المجتمع المتطور حقًا هو الذي لا يكتفي ببناء الطرق والمباني؛ بل يبني أيضًا المعاني، ويهتم ليس فقط بطول العمر، بل بثرائه وقيمته. تلك هي الرؤية التي تتجاوز الأرقام إلى الجوهر، وتتخطى الحسابات التقليدية إلى فضاء أرحب. وهي رؤية ما وراء التنمية.
