فوزي عمار
يميل المثقف دائمًا إلى المثالية في الطرح، دون التطرق إلى الآلية للوصول إلى هذه المثالية والإجابة على سؤال «الكيف؟»؛ فيقع المثقف بين المثالية والوقوع في «الدون كيشوتية». وهو مصطلح نحته الروائي الإسباني في روايته التي تُعتبر الأولى في التاريخ الأوروبي الحديث.
في مطلع القرن السابع عشر، بينما كان الفلاسفة الأوروبيون مثل ديكارت في فرنسا وجون لوك في إنجلترا يضعون أسس العقلانية والتنوير، كان الروائي الإسباني ميغيل دي ثيربانتس يخلق شخصية «دون كيشوت» في أول رواية أوروبية حديثة (سبقتها الرواية العربية «حي بن يقظان» لابن طفيل بأكثر من 400 سنة).
ويبدأ المثقف الحقيقي، كدون كيشوت، من إيمان راسخ بمجموعة من المُثل والقيم السامية كالعدل والحرية والحقيقة، ويصمم على تحقيقها بغض النظر عن الثمن. لكن الخطر الكامن يظهر عندما يتحول هذا الإيمان إلى نوع من الوهم المنفصل عن أرض الواقع.
هذا الانفصال يولِّد مسخرة تراجيدية. فعندما يحارب المثقف «حالات سلبية في مجتمعه» – وهي قضايا أو أعداء قد يكون جزء منها من خلق تصوراته الذاتية – ينتهي به المطاف منهكًا ومهزومًا، فيما يبدو مشروعه النبيل في عيون الآخرين ضربًا من الجنون أو السذاجة، تمامًا كما هاجم دون كيشوت طواحين الهواء متوهمًا أنها عمالقة.
فهل معنى هذا أن على المثقف أن يتخلى عن مُثله ويستسلم للواقع كما هو؟ بالقطع لا. العبرة من دون كيشوت ليست في الاستسلام، بل في إعادة تعريف البطولة والفعل. الخلاص يكمن في تجاوز الثنائية القاتلة بين الحالم المجنون والعاقل المستسلم.
في نهاية رحلته، يستفيق دون كيشوت من جنونه ويموت. ربما تكون هذه النهاية إشارة إلى أن الحلم المُجرّد، عندما ينفصل عن الواقع، محكوم عليه بالفناء.
لكن إرث دون كيشوت الخالد يشير إلى معنى آخر، وهو أن القيمة ليست في الوهم ذاته، بل في الروح التي ترفض الاستسلام للرداءة، والتي تبحث عن معنى أسمى للحياة. التحدي الذي يواجه المثقف اليوم هو أن يحافظ على هذه الروح المتطلعة إلى المُثُل، دون أن يقع في فخ «الدون كيشوتية» التي تجعله يحارب ظلالًا هو أوجدها بنفسه. عليه أن يكون حالمًا بعينين مفتوحتين، يقاتل من أجل عالم أفضل لكنه ممكن، ويعرف جيدًا الفرق بين طاحونة هواء وعملاق حقيقي، وبين الجزيرة المتخيلة والأرض الصلبة التي يقف عليها، بأن يجمع شجاعة دون كيشوت وإدراك الواقع القابل للتغيير للأفضل.
رواية دون كيشوت التي تُجسِّد، على نحو فريد، القطيعة المعرفية مع العصور القديمة. هذه الشخصية التي أضحت رمزًا عالميًا، لا تُختزل في مجرد «أحمق ظن نفسه في مهمة مقدسة»، بل هي مرآة عاكسة لأزمة دائمة: أزمة المثقف الحالم الذي ينشد المثالية المطلقة في عالم لا يخضع إلا لمعايير الواقع المحدود. إن مسيرة دون كيشوت مع رفيقه الواقعي سانشو بانثا تُجسِّد، في جوهرها، المعضلة الأبدية التي تواجه كل مثقف: كيف يوازن بين شغفه بتغيير العالم وفق مُثله العليا، وإدراكه لقوانين الواقع وشروطه الصعبة؟
وما لم يوازن المثقف بين هذين العاملين، فخطاب المثقف للمجتمع ورسائله تصبح رسائل لن تصل أبدًا.
