عُمان.. الملحمة الحيّة وصوت السلام الخالد

 

 

 

 

محمد بن علي بن ضعين البادي

في عالمٍ يضجّ بصراع الأضداد، وتتهاوى فيه المبادئ تحت وطأة المصالح العابرة، تبرز عُمان كحالةٍ فلسفية متفردة، تتجاوز كونها مجرد حدودٍ جغرافية لتصبح "فكرة" راسخة في ذهن التاريخ. إنها الأرض التي أدركت مبكرًا أنَّ القوة الحقيقية لا تكمن في صليل السيوف، بل في "صمت الحكمة" وقدرة الروح على البقاء شامخة دون انكسار، لتمزج بين عراقة الماضي وإشراق المستقبل في ملحمة حيّة لا تنتهي.

عُمان.. الأرض التي لم تنحنِ يومًا، والوطن الذي رفض المساومة على مبادئه مهما عصفت الأنواء، صنعت من صبرها ووفائها صرحًا شامخًا، تقف أمامه الرياح صامتة، وتتأمله الجبال بدهشة، وينحني له الزمن إجلالًا. هنا؛ حيث الثبات ليس مجرد خيار سياسي، بل هو عهدٌ محفور في روح الأمة؛ لذا اختارها المختلفون جسرًا للتواصل حين أُغلقت الآفاق، وقصدها الجار وسيطًا نزيهًا حين ضاقت سبل الوفاق، إيمانًا منهم بأن الفلسفة العُمانية تقوم على مبدأ "الثبات في المتغير"، فبينما تتلون الوجوه من حولها، تظل هي بوجه واحد يقرأ فيه العالم معاني الصدق والنزاهة.

السلام في العقيدة العُمانية موقفٌ راسخ لا ظرفٌ عابر؛ فهي لا تسعى لمكسب من نزاع، ولا تستثمر في توتر، بل ترى أن قوتها الحقيقية تكمن في تهدئة النفوس، ورسالتها الأسمى في جمع ما تفرّق. واضحة كوضوح الشمس في كبد السماء، ونقية كنقاء البياض الذي لم يمسه كدر؛ لا تعرف اللعب تحت الطاولات، ولا تتوارى خلف أقنعة المراوغة، بل تضع الحقيقة بتمامها أمام الجميع بكل شفافية وشجاعة، لتجعل من الحق قانونًا، ومن الثقة قاعدةً صلبة لكل تفاهم، فهي الميناء الذي لا يطرد غريقًا، والوسيط الذي لا يبتغي من الحق أجرًا.

لهذا السبب، يتهافت عليها المتخاصمون؛ ليس طلبًا لوساطتها فحسب، بل اعترافًا بنزاهتها وقدرتها الفائقة على التوازن، محولين الخلاف إلى تفاهم والتوتر إلى سلام. وما إصرار القوى الدولية- كما نرى في المحادثات بين إيران والولايات المتحدة- على أن تكون سلطنة عُمان هي الحاضنة لحواراتهم، إلا برهان على أن هذه الأرض ليست مجرد جغرافيا، بل هي "تاريخ حي" وعقل حكيم يُحوّل طاولة النزاع إلى مساحة للثقة، ويؤكد كيف تتحول الدولة إلى "رسالة"، وكيف يصبح السلام من مجرد شعار إلى قدرٍ محتوم.

هكذا تُبنى الأمجاد؛ ليس بالضجيج والصخب، بل بالعمل الصادق والعقل الواعي. عُمان اليوم هي المنارة التي تربط بين المتناقضين، والحصن الحصين للثقة في عالم يموج بالصراعات. إنها ليست مجرد وطن، بل هي عهدٌ لا ينكسر، ورسالة خالدة تثبت أن العدل والنية الصادقة يصنعان أعظم التاريخ، ويكتبان أسماء الأمم بحروف من نور، ليبقى صوتها صدىً للأجيال.. صدىً لا ينقطع، وشموخًا يعانق السماء.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z