الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

مقال : أفكار مغلوطة في الحياة الزوجية (2-1)

السبت 08 أبريل 2017 08:38 م بتوقيت مسقط

نادية المكتومية

هناك الكثير من المُعتقدات المغلوطة التي تتناقل بين الأفراد حول العلاقات الزوجية والتي تصبح مع كثرة تناقلها وسماعها مع الوقت حقائق مُسلم بها، غير أنَّها للأسف كمرجعيات مشوهة تصبح مصدراً لتعاسة الكثير من الأزواج لأنَّهم يتعاملون معها كمعايير حقيقية لقياس سعادتهم وتوافقهم، وتنشأ أيضًا بعض هذه الأفكار من توارث ثقافات مُجتمعية مشوهة تنتقل للأجيال كمُسلمات.

ومن الأفكار والاعتقادات المغلوطة التي من شأنها أن تهدم الحياة الزوجية:

    نجاح الحياة الزوجية يتوقف على التَّوافق الفكري فكرة مغلوطة: للأسف يكثر هذا الاعتقاد لدى كثير من الأزواج بأن مستواي الفكري يجب أن يتوافق مع مستوى شريك حياتي على شتى الأصعدة مثل الشهادة العلمية والمُعتقدات والتوجهات والأفكار، ويبدأ كل فردٍ في البحث عن هذا التَّوافق وعندما يغيب في شريك الحياة يعزو الزوج أو الزوجة مشكلته في التواصل مع نصفه الآخر لهذا السبب فيقول: هو أو هي ما متوافقة معي فكريًا، هي مؤهلها دبلوم عام وأنا ماجستير!!.

فتبدأ مشكلات كثيرة تنبثق من هذه النظرة منها الصمت وانعدام الحوار بين الأزواج وفقدان الاستمتاع بقضاء الوقت مع شريك الحياة والجفاف العاطفي والتجريح والنقد أحيانًا كل ذلك بسبب فكر عقيم مغلوط اسمه التوافق الفكري.

لا أُريد منك عزيزي القارئ أن تفهم أنَّه لو وجد التوافق الفكري فذلك شيء خاطئ إطلاقاً، ما أردت أن أنبه له أنَّه لو لم يوجد توافق فكري فلا يعني ذلك أنَّ الحياة مُستحيلة أو ستكون تعيسة، فالحقيقة تقول الاختلاف يشكل ثراءً في الحياة الزوجية مثلا الزوج الفوضوي مع المرأة المُرتبة يشكلان تكاملا متناغما يُلبي احتياجات الحياة الأسرية حيث إن الشخصية الفوضوية لديها القدرة على التخطيط بعيد المدى للأسرة والشخصية المنظمة تهتم بالتخطيط الدقيق التفصيلي القريب المدى كاليومي والأسبوعي مثلاً، ألا يُشكل ذلك تكاملاً مطلوبًا رغم اختلاف التفكير والطباع،، ولو نظرنا حولنا لوجدنا الكثير من الأزواج مُختلفين في التفكير والاتجاهات والمستوى العلمي غير أنَّهم سعيدون متوافقون في علاقتهم الزوجية، نجد الزوجة درست فقط للصف 12 والزوج خريج بكالوريوس وبينهم توافق وسعادة يفتقر لها حامل وحاملة شهادات عليا،، الشاهد في الأمر أنَّ الاختلاف الفكري تكامل وثراء وأن السعادة الزوجية لا ترتبط بالتوافق الفكري إطلاقا بل بنوعية التفاعلات والتعاملات الزوجية بين الطرفين، فكلما كان التعامل بين الزوجين إيجابياً كانت حياتهما مستقرة والعكس صحيح.

    أيضًا من الأفكار المغلوطة التي تهدد الحياة الزوجية: أن الحياة الزوجية السعيدة تخلو من المشكلات العالقة بين الأزواج، فكرة مغلوطة أخرى، كيف يعقل بأنّ هناك شخصين جاء كل منهما من بيئة وثقافة مُختلفة بشخصيات وأفكار مختلفة تخلو بينهما العلاقة من بعض الخلافات والمشكلات الوقتية؟ إن المشكلات مؤشر صحي على رغبة كلا الزوجين في الوصول بالعلاقة الزوجية لمستوى التوافق والسعادة، وبأنه مُكترث وجاد في الاهتمام بالطرف الآخر، وبأن هذه المطبات والتحديات ظاهرة صحية متى ما تعاملنا معها بذكاء وكياسة تقوي عرى الحياة الزوجية وتسد الخلل وتقرب بين الزوجين، لا أعتقد بأنَّ هناك زوجين تخلو حياتهما من المطبات الزوجية بل العكس أثبت علمياً بأنَّ خلو الحياة الزوجية من المطبات والمشكلات البسيطة بين الأزواج قد يكون أحياناً مؤشرًا غير صحي يُعزى أحيانا لفقدان كلا الطرفين أو أحدهما للاهتمام باستمرارية العلاقة الزوجية فيظهر ذلك على شكل لامبالاة وسكون مخيف لا يشي بالاستقرار بل العكس بنهايات وخيمة، وهنا كلمة أوجهها للمُقبلين على الزواج وخاصة الجيل الحالي الذي سمعت منهم في الاستشارات التي ترد إليّ أفكارا مخيفة من مثل: لن أتزوج أو لو تزوجت وحدثت مشاكل سأطلق بكل سهولة،، أقول لهم المُشكلات ملح الحياة وظاهرة صحية تؤدي لنضج العلاقة الزوجية ومؤشر صحي لرغبة كلا الطرفين في الاستمرارية لكن متى ما تمّ احتواؤها بطريقة سليمة وراقية فلا يوجد عسل بدون لسعات النحل، فكثير من الأشياء الجميلة تأتي بعد تعب ومشكلات ومطبات وتحديات،، ولك في حياة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه مع زوجاته أسوة،، فقد جسَّد الجانب البشري كزوج حيث تعرض لمطبات ومواقف مع زوجاته مثل حادثة الإفك وغيرة بعض زوجاته وغيرها من المواقف التي تحفل بها السيرة النبوية تمثل النبي الزوج وكيف أنَّها طبيعة وفطرة بشرية معرضون لها ولنا أيضاً في سيرته العطرة أسوة في كيفية احتوائه بكل حكمة لهذه المشكلات الزوجية، فلا تقلق عزيزي الزوج وعزيزتي الزوجة من المطبات والمشكلات الزوجية فهي تزيد وتقوي عرى المحبة وتقرب القلوب والعقول متى ما تعاملنا معها بطريقة سليمة فالتحدي ليس في وجود المشكلات بل في كيفية التعامل معها وحلها بطريقة يربح بها كلا الزوجين في الحياة الزوجية.
    من الأفكار المغلوطة التي تُهدد استقرار الحياة الزوجية فكرة: أنَّ الرومانسية والعواطف الجياشة هي التي تجعل الحياة الزوجية رائعة: نعم الحب والمودة مطلب مُهم ومن ركائز ومتطلبات الحياة الزوجية المتوافقة السعيدة، لكنها ليست بالفكر الذي نعتقده وبالحجم الضخم الذي نرسمه لها في عقولنا، والذي رسمته وضخمته لنا وسائل الإعلام، للأسف أصبح لدينا جيل من الشباب والفتيات يعتقد بأنَّ الرومانسية والعواطف الجياشة هي ما تعرضه الأفلام الهندية أو التركية والكورية وغيرها من وسائل الإعلام التي سربت لجيلنا أفكاراً معلبة مغلوطة عن ماهية الحب وكيفية التعبير عنه، فيبدأ بعض الأزواج والزوجات في البحث عن رومانسية الأفلام في حياته الزوجية متناسياً أن ذلك من نسج فكر سينارست ومخرج يمثل فكره هو وليس فكر مجتمع مسلم قائم على قيم أرقى وأكثر ثباتًا في حياة الأزواج،، قم معي بتجربة لتعلم فقط سر كل هذه الرومانسية المُنمقة في الأفلام وهي تابع مشهد رومانسي مُعين بدون مؤثرات موسيقية ستندهش بأنَّه ليس فيه شيء من الرومانسية وربما تضحك من سخافة المشهد، فلا تنخدع عزيزي الزوج وعزيزتي الزوجة بالرومانسية المغلوطة رومانسية الأفلام وتجعلها مطلبًا لسعادتك الزوجية،، الحب مشاعر راقية وجميلة لكن التعبير عنها أمر فيه الكثير من التفاصيل والخصوصية التي تعتمد على طبيعة وشخصية وثقافة الأزواج وقد ذكرنا تفاصيل كثيرة في حلقتين ماضيتين عن سيكلوجية الحب ومراحله ولغاتها بشكل علمي أنصح بالرجوع إليها لنحد من فكر رومانسية الأفلام المشوهة لهذه المشاعر الجميلة الراقية والتي أصبحت مهددًا لحياة المقبلين على الزواج أو حتى المتزوجين أنفسهم احذر من فكر رومانسية الأفلام.
    من الأفكار المغلوطة التي قد تُعكر صفو الحياة الزوجية الاعتقاد بأنني وزوجتي أو زوجي يجب أن نمتلك اهتمامات مُشتركة وهوايات مشتركة،، وهنا انبه إلى أنّه إذا وجدت هوايات واهتمامات مُشتركة فبها ونعمة ولكن عدم وجودها لا يجب أن نعتقد بأنه مسبب لمشكلة بالعكس الهوايات المُختلفة تثري الحياة الزوجية واحترام هوايات الطرف الآخر مطلوب حتى وإن كنت أنا لا أميل لها، وهنا أنبه إلى أنَّ الأنشطة المشتركة هي المطلوبة وليس الهوايات والاهتمامات المُشتركة وهنا يكمن الفرق، فمثلا نتنزه مع بعض نمارس رياضة المشي أو نتعشى مع بعضنا هذا كله أنشطة مشتركة مطلوبة لكن أن ألزم الطرف الآخر بهواياتي هذا بحد ذاته إلغاء لشخصية الآخر ويصنع مُشكلات بين الطرفين فمثلاً إذا كانت هواية الرجل الصيد أو الرماية فهل بالضرورة أن تمارس زوجته هذه الهواية!! الزواج مشاركة نعم ولكن ليس تملك أو إلغاء للطرف الآخر، إنما هو تناغم وتكامل في وجود الاختلاف الذي يضفي على الحياة الزوجية التنوع ويُبعد عنها شبح الرتابة..

هذه بعض الأفكار المغلوطة التي تهدد عش الزوجية،، والتي تكمن خطورتها في تشويه علاقة جميلة مقدسة تقوم عليها الإنسانية اسمها "العلاقة الزوجية"،، فقد آن الأوان لتبصير الجيل بها لنتفادى كوارث زوجية نحن في غنى عنها ولنستمتع بحياة زوجية أكثر نضجًا ورقيًا واستقراراً.

دمتم بخير بجوار من تحبون..