محمد بن رامس الرواس
الشباب هم نبض الأوطان المتدفق، والقوة الكامنة التي تحقق للمجتمعات آمالها وطموحاتها وتبني حاضرها ومستقبلها، إنهم العطاء بلا حدود بما يملكونه من شغف يدفهم لاستكشاف الآفاق وتحدى الصعاب وهم روح الابتكار وقادة المستقبل بروح الابتكار في عصر الرقمنة المتسارع، لأنهم يملكون القدرة على الاستيعاب للتطور في التكنولوجيا الحديثة وتوظيفها لخدمة أوطانهم.
والشباب هم الذين يصنعون الفارق في تقدم مجتمعاتهم؛ فكل تقدم بالوطن يقاس بمدى استثمار القادة في عقول الشباب فيتم توفير البيئة الداعمة لهم وتقديم أفضل وسائل التعليم ومنحهم بعد ذلك الفرص الكافية للتعبير عن أفكارهم ومشاكلهم في اتخاذ القرار، مؤمنين أنهم المستقبل المنشود.
والشباب روح الأوطان وطاقتها المتدفقة، والأوطان التي تُحسن إعداد شبابها إنما تُحسن كتابة تاريخها القادم لأنها تدرك أن الثروة الحقيقية لا تُقاس بما تختزنه الأرض من معادن، ولا بما تملكه الخزائن من أموال، وإنما بما تمتلكه من عقول واعية، ونفوس أبية، وإرادات لا تعرف المستحيل.
ولقد كان الشباب على امتداد التاريخ صُنّاع التحولات الكبرى، وحملة مشاعل الإصلاح والتجديد، فما نهضت حضارة إلا وكان لهم فيها نصيب، ولا ارتفعت راية علم إلا وكانت وراءها عقول شابة آمنت بقدرتها على الاكتشاف والابتكار.
وحين نتأمل تاريخ عُمان المجيد، نجد أن أجدادنا لم يورثونا القلاع والحصون والسفن وحدها، وإنما أورثونا ما هو أعظم من ذلك كله؛ أورثونا الشجاعة في مواجهة الصعاب، والحكمة في إدارة الأزمات، والصدق في المعاملات، والاعتزاز بالهوية، والانفتاح الواعي على الحضارات والشعوب.
لقد كان العُمانيون منذ القدم شباب لكنهم عمالقة في البحار، وتجار أمناء، وربابنة مهرة، وعلماء مجتهدين لم يجعلوا من الصعوبات حواجز تحول بينهم وبين طموحاتهم، فإن الطريق إلى القمم ولا يجعلوا من الإخفاق نهاية الرحلة، فكم من نجاح عظيم وُلد من رحم تجربة متعثرة، وكم من إنجاز خالد بدأ بفكرة صغيرة آمن بها صاحبها حين شكك الآخرون في إمكان تحقيقها.
وإن من أعظم ما تحتاج إليه أوطاننا اليوم شبابًا لا ينتظرون الفرص فحسب، بل يسعون إلى صناعتها؛ شبابًا يدركون أن العمل الشريف كرامة، وأن المبادرة شجاعة، وأن المسؤولية الوطنية تبدأ من احترام الوقت، وإتقان الواجب، والمحافظة على الممتلكات العامة، والصدق في القول والعمل، والإخلاص في خدمة المجتمع.
وفي ظل النهضة العُمانية المتجددة، التي يقود مسيرتها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- تتسع أمام الشباب آفاق المشاركة في البناء والتنمية، وتتعاظم مسؤوليتهم في تحويل الطموحات الوطنية إلى واقع ملموس، ولا سيما في ضوء رؤية «عُمان 2040» التي تجعل الإنسان العُماني محور التنمية وغايتها.
ولعل أخطر ما يواجه بعض الشباب في هذا الوقت ليس قلة الفرص بقدر ما هو ضياع البوصلة، حين تتحول الحياة إلى سباق وراء المظاهر، وتصبح الشهرة غاية، والاستهلاك مقياسًا للنجاح، ويُختزل الإنجاز في تصفيق عابر على منصات التواصل الاجتماعي.
فاحذروا أن تسرق منكم المظاهر جوهر الحياة، وأن تشغلكم المقارنات عن اكتشاف قدراتكم الحقيقية. واعلموا أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بما يقدمه، ولا بما يقوله عن نفسه، بل بما تشهد له به أعماله.
وختامًا.. ما أجمل أن يستحضر الشاب العُماني، وهو يخطو نحو مستقبله الواعد، صورة أجداده الذين أبحروا في المحيطات دون أن تفزعهم الأمواج، وشقوا طرق التجارة دون أن تثنيهم المسافات، وأقاموا جسور التواصل مع الأمم دون أن يتخلوا عن قيمهم وأخلاقهم. عندئذ سيدرك أن العظمة ليست حكاية من الماضي، وإنما إمكانية حاضرة تنتظر من يوقظها بالإرادة والعمل.
