أحمد بن عبدالعزيز العوضي
في السادس والعشرين من أكتوبر، تحتفي عُمان بشبابها، ثروتها التي لا تنضب، ونبضها الذي يتجدَّد، وأملها الذي يمتد نحو آفاق المستقبل. إنهم جيلٌ تتفتح في عقولهم أزهار المعرفة، وتنبض في صدورهم معاني الولاء، وتحمل سواعدهم أحلام وطنٍ عظيم، صاغ أمجاده الآباء والأجداد، وتواصل مسيرته اليوم عزائم الأبناء وطموحاتهم.
والشباب العُماني ليسوا مجرد فصلٍ في حكاية النهضة، بل هم حروفها المتجددة، وجسورها الممتدة بين أصالة الماضي وآفاق المستقبل. في عيونهم بريق الأمل، وفي عقولهم وهج الابتكار، وفي إرادتهم صلابة الجبال العُمانية، وفي أرواحهم صفاء البحر الذي حمل سفن الأجداد إلى أبعد الآفاق، فعادوا بالمعرفة والخبرة، وتركوا للعالم سيرة شعبٍ جمع بين أصالة الجذور واتساع الرؤية.
منذ فجر النهضة الحديثة، آمن المغفور له السلطان قابوس بن سعيد- طيّب الله ثراه- بأن الإنسان هو أساس التنمية وغايتها، فكانت أبواب التعليم والمعرفة والعمل من أبرز معالم مسيرة البناء. واليوم، يمضي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- بعُمان نحو نهضة مُتجددة، تضع الإنسان في قلب التنمية، وتمنح الشباب مكانتهم بوصفهم شركاء في تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".
وفي ظل الاهتمام الحكومي بالشباب، تتأكد أهمية رعاية المواهب، واحتضان المبادرات، وفتح آفاق أوسع أمام الطاقات الشابة؛ فالثقة بالشباب ليست كلماتٍ تُقال، بل فرصٌ عادلة، وتمكينٌ حقيقي، ومساحاتٌ تتيح لهم تحويل الأفكار إلى إنجازات، والطموحات إلى واقعٍ يخدم الوطن.
وفي ميادين العلم والبحث، والطب والهندسة، والاقتصاد وريادة الأعمال، والثقافة والرياضة والعمل التطوعي، يثبت الشباب العُماني أن العطاء لا تحدّه الميادين، وأن الإنجاز لا تقاس قيمته بحجمه، بل بأثره. فكل فكرةٍ مبتكرة، وكل مشروعٍ منتج، وكل يدٍ تمتد بالعون، وكل عملٍ يُؤدّى بإخلاص، هو لبنةٌ في بناء عُمان، وشاهدٌ على جيلٍ يدرك أنَّ حب الوطن فعلٌ قبل أن يكون قولًا.
ولأن التمكين الحقيقي يبدأ بصون الحقوق، فإن من واجب المؤسسات أن توفر للشباب تعليمًا نوعيًا، وفرص عملٍ عادلة، وتدريبًا يواكب مُتغيرات العصر، وأن تستمع إلى تطلعاتهم وتمنح كفاءاتهم المجال للتقدم. وفي المقابل، تقع على الشباب مسؤولية الاجتهاد، وإتقان العمل، واحترام القانون، والمحافظة على مكتسبات الوطن، والإسهام في خدمة المجتمع؛ فالأوطان تمنح أبناءها الفرص، ويمنحها الأبناء الوفاء والإنجاز.
وأجمل ما في الشباب العُماني أنَّهم يحملون في قلوبهم إرثًا أخلاقيًا عريقًا؛ ورثوا عن الآباء والأجداد الصدق والأمانة، والكرم والتواضع، واحترام الكبير، والرحمة بالصغير، وإكرام الضيف، وحفظ الجوار، وإغاثة الملهوف. وهي قيمٌ صاغت الشخصية العُمانية، ومنحتها توازنًا فريدًا بين الحكمة والشجاعة، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم.
إنَّ الأصالة لا تعني الوقوف عند الماضي، كما إن الحداثة لا تعني التخلي عن الجذور؛ بل إن عظمة الشباب تكمن في قدرتهم على الجمع بين حكمة الأجداد ومعارف العصر، وبين أخلاق الموروث وابتكارات المستقبل. وفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات، تظل الكلمة الطيبة، والوعي، والحوار المسؤول، واحترام الاختلاف، من أهم ما يصون تماسك المجتمع ويحفظ للوطن استقراره.
يا شباب عُمان، أنتم أبناء أرضٍ عرفت المجد، وصانت هويتها، ومدّت جسور السلام والمحبة إلى العالم. فكونوا امتدادًا لأخلاقها، وصورةً مشرقةً لقيمها، وسواعدَ أمينةً لبنائها. اجعلوا من العلم طريقًا، ومن الإتقان منهجًا، ومن الأخلاق عنوانًا، ومن خدمة الوطن غايةً نبيلة؛ فالمستقبل لا تصنعه الأمنيات، بل العقول التي تفكر، والأيدي التي تعمل، والقلوب التي تُؤمن.
حفظ الله عُمان، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ جلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم، ووفقه لمواصلة مسيرة النهضة المتجددة، وبارك في جهود سمو السيد ذي يزن بن هيثم، ووفّق شباب عُمان إلى مزيدٍ من التميز والعطاء.
