ثمن الثبات على المواقف العادلة

 

 

 

 

محمد رامس الرواس

لا ينازعني شكٌ في أن الثبات على المواقف الراسخة، سواء أكانت في قيم السلام والاستقرار، أو في مواجهة التضليل الممنهج في زمن التوترات والأزمات، له ثمنٌ باهظ؛ فقد يجد المرء نفسه، عبر شبكة معقدة من الأكاذيب والأخبار المجهولة المصدر، مُقحمًا في روايات وأحداث ليس لها أسانيد موثوقة، يبتغي صانعوها إغضابه ليدفعوه لفقدان رزانته، ليقع في فخ الانفعال والغضب.

و​لطالما كانت السياسة العُمانية واضحة جليَّة، ولم تكن يومًا ضبابية ولا غامضة في مبادئها أو مقاصدها أو توجهاتها فقد تجسدت مرتكزاتها بمدرسة تاريخية عميقة تقوم على حسن الجوار، والحياد الإيجابي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة الدول واستقلالها، مع الدعوة الدائمة الحثيثة لمنع التصعيد وقت التوترات والأزمات، وتأكيدًا لهذا النهج الراسخ. ففي المحافل الدولية، وخلال خطاب السلطنة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 سبتمبر 2026، جددت السلطنة التزامها التام بالحلول السلمية والتوافقية، رافضةً استخدام القوة أو التدخل الخارجي، وداعمةً لحل الدولتين وفق حدود الرابع من يونيو 1967 وقرارات الشرعية الدولية، إلى جانب إعلان موقفها الحازم برفض الهجمات الإسرائيلية التي طالت دولًا عربية شقيقة.

​هذه المواقف الصلبة والثابتة تجعل من النهج العُماني هدفًا متكررًا لمحاولات التشويه وإسكات صوته الحي، ولأجل أن نقف جميعنا سدًا منيعًا في وجه هكذا افتراءات، لزامًا علينا أن نكون أكثر وعيًا وانتباهًا، وأن نبقى حكماء كعادتنا التاريخية؛ فمن لا يملك دليلًا ولا برهانًا يجب أن نتركه خارج دائرة اهتمامنا، فإنَّ التجاهل الواعي يكسر حلقة التضليل التي تُحاك ضده في الظلام. وعليه؛ فإن الرد الهادئ والمتزن هو التجسيد الحقيقي للسمة العليا التي تتسم بها الشخصية العُمانية المتزنة، علاوة على أننا لا يمكن بحال من الأحوال أن ننجرف إلى لغة تُسيء للشعوب أو تحول الاختلاف السياسي إلى خصومة مع الدول والمجتمعات، وعلى الجانب الآخر عندما نتمسك بقيمنا الأصيلة والنبيلة، فإننا نجنب أنفسنا السقوط في الكمائن التي تُنصب عن قصد وترصد لنا.

​إن قوة الخطاب العُماني المعتدل تكمن في هدوئه، وعمقه، وقدرته الثابتة على الانحياز الدائم للحق، فنُخبنا الإعلامية وكُتّابنا، ومثقفونا، وأدباؤنا من أبناء عُمان الأوفياء، لديهم- ولله الحمد- من الخبرة والرصيد المعرفي ما يُمكنهم من التعرف على الروايات غير الموثوقة، وشرح الحقائق الإعلامية والصحفية بمهنية عالية تتميز بتفنيد الخبر وتمحيصه. كما أن لديهم القدرة على حسن التحليل عند النشر، فالوطن لا يُدفع عنه الخطر بالصوت الصاخب والانفعال العابر بالمقاطع المرئية، بل بالحجج القوية والمعلومة الدقيقة الرصينة.

​ختامًا.. يجب ألا ننسى أبدًا أن الاستمرار في نهج السلام والعدل له أثمان باهظة حاليًا ومستقبلًا؛ أولها تشويه الصورة ومحاولات التشويش من قِبل من يهدمون ولا يبنون، ممن ليس لديهم حلول حقيقية للأزمات ولا يروقهم السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة والعالم، لكن رهاننا الأبدي يبقى على الوعي الذي تتمتع به الشخصية العُمانية، والحكمة، والثبات الذي لا يلين.

حفظ الله عُماننا الحبيبة، وحفظ قائدها المفدى، وحفظ شعبنا الكريم من كل سوء.

الأكثر قراءة

z