أهلًا بك في العائلة

 

 

 

 

ريتّا دار

[email protected]

 

تزوج أخي!

صحيحٌ أن حفل الزفاف لم يُقم بعد، لكن عقد الزواج وُقّع رسميًا، وأصبحت لدينا فرد جديد في العائلة. وهو خبر أسعدنا جميعًا، وأثار في ذهني سؤالًا قديمًا: كيف يستطيع حدث جميل، غايته جمع شخصين وعائلتين، أن يتحول في بعض البيوت إلى مناسبة لإعلان الخلافات، وتصفية الحسابات، واكتشاف مواهب لم نكن نعرف أنها موجودة لدى أقاربنا في إدارة الأزمات؟

لطالما استغربت من زيجات تبدأ بحب كبير بين شخصين، ثم تتعثر لأن شخصًا ثالثًا لم يعجبه ترتيب المقاعد في حفل الخطوبة، أو لأن شخصًا رابعًا شعر بالإهانة حين لم يُستشر في اختيار أثاث غرفة النوم. والأغرب أن بعض هذه الخلافات لا تنتهي بانتهاء المناسبة، بل تتحول إلى جزء من التاريخ العائلي، يُروى في الأعياد، وتُضاف إليه التفاصيل مع كل رواية، حتى يصبح من الصعب معرفة ما حدث فعلًا، وما أضافته الذاكرة من باب تحسين الحبكة الدرامية.

وللأسف تنتهي العلاقات بالفشل، لا بسبب خلاف بين الزوجين، وإنما بسبب أشخاص آخرين قرروا، بحسن نية أحيانًا وبسوء تقدير غالبًا، أن يكون لهم دور البطولة في زواج لم يكونوا طرفًا في عقده.

وبما أنني أصبحت أخت زوج رسميًا، فقد وجدت نفسي معنية بصورة خاصة بالسمعة التي تلاحق هذه الفئة من النساء.

فأخت الزوج، في كثير من الحكايات، شخصية درامية متكاملة، شريرة قليلًا، لكنها تتمتع بميزة إضافية؛ إذ تستطيع إثارة مشكلة كاملة دون أن تكون موجودة في مكان وقوعها. وقادرة على طرح سؤال واحد يبدو بريئًا لكنه كفيل بإفساد أمسية كاملة.

وقد سمعت من القصص عن أخوات الأزواج ما يكفي لكتابة موسوعة في فنون التدخل غير المطلوب؛ فإحداهن كانت تزور بيت أخيها، ثم تعود إلى منزلها لتقدم تقريرًا مفصلًا عن نظافة المطبخ وترتيب الخزائن، وكأنها مفتشة صحية تعمل دون راتب. وعن أخرى كانت تتصل بأخيها كلما علمت أنه خرج مع زوجته، لتسأله لماذا لم يدعها معهما، مع أنها لو دُعيت فعلًا لاعتذرت عن الحضور.

وسمعت عن ثالثة كانت تعتقد أن من واجبها تنبيه زوجة أخيها إلى عيوبه باستمرار، لا لمساعدتها على فهمه، بل لتذكيرها بأنها تعرفه أكثر منها، وأنها صاحبة الامتياز الحصري في تفسير تصرفاته.

ولا أعرف مدى دقة هذه القصص، فالروايات العائلية، شأنها شأن الأخبار السياسية، تتغير قليلًا بحسب الجهة التي ترويها. لكنني أعرف أن بعض الأخوات يواجهن صعوبة في تقبّل أن الأخ الذي كان شريكًا في المشاجرات الطفولية، ومصدرًا دائمًا للاستفزاز، أصبح رجلًا له بيت وحياة وقرارات لا تحتاج إلى موافقتهن.

والمثير للسخرية أن الأخت التي أمضت سنوات تطالب أخاها بأن يكبر ويتحمل المسؤولية، قد تكون أول من يعترض عندما يفعل ذلك فعلًا!

أما أم العريس، فهي الضحية المفضلة للنكات العائلية، والمتهمة الأولى في كل خلاف زوجي، حتى قبل أن يُعرف سبب الخلاف. فهي في المفهوم المتداول امرأة تستيقظ صباحًا لتخطط لإفساد حياة زوجة ابنها، ثم تقضي بقية اليوم في انتقادها، مع استراحة قصيرة لإعداد الغداء.

يكفي أن تقول امرأة إن زوجها عاد إلى المنزل منزعجًا، حتى يسألها أحدهم فورًا: «هل كان عند أمه؟».

ولعلنا ظلمنا الحموات قليلًا. فأنا أعتقد أن خلف الصورة التقليدية للمرأة التي تراقب زوجة ابنها وتنتقد طبخها، توجد مشاعر إنسانية أكثر تعقيدًا وأحيانًا أم اعتادت أن تكون المرجع الأول في حياة ابنها، ثم اكتشفت أن موقعها تغير دون أن تتلقى إشعارًا رسميًا بذلك.

لقد أمضت سنوات تسأله إن كان قد أكل، وإن كان يرتدي ما يكفي من الملابس، وإن كان قد نام جيدًا، ثم جاءت امرأة أخرى لتشاركه هذه التفاصيل، وربما اكتشفت الأم، في صدمة لا يُستهان بها، أن ابنها صار قادرًا على إعداد كوب الشاي بنفسه!

وقد لا تكون المشكلة في الزوجة إطلاقًا، بل في صعوبة تقبّل أن الزمن يمضي، وأن الأطفال الذين كنا نختار لهم ملابسهم أصبحوا يختارون شركاء حياتهم.

ومن الطبيعي أن تشعر الأم بالحنين إلى تفاصيل اعتادتها، أو أن تشتاق إلى حضور ابنها اليومي. لكن الحنين يصبح مرهقًا عندما يتحول إلى عتاب، والنصيحة تفقد لطفها عندما تصبح تعليمات ملزمة.

وقد تكون الحماة مقتنعة تمامًا بأنها تساعد زوجة ابنها حين تقول لها إن الأرز يحتاج إلى مزيد من الملح، لكنها لا تدرك أن الملاحظة الخامسة عشرة خلال وجبة واحدة قد تجعل المرأة تفكر جديًا في اعتزال الطبخ، وربما اعتزال الحياة أيضًا.

والمفارقة أن الطرفين قد يكونان محقين في مشاعرهما، لكن مخطئين في طريقة التعبير.

فالأم لا تحتاج إلى إثبات أنها ما زالت الأهم في حياة ابنها، والزوجة لا تحتاج إثباتًا أنها أصبحت مهمة أيضًا. لأن العلاقتان مختلفتان أصلًا، ولا توجد جائزة تنتظر الفائزة في نهاية المنافسة.

وهنا أجد زوجة أخي محظوظة بأمي، التي لم تتعامل مع زواجهما باعتباره خسارة تستدعي التعويض، بل مكسبًا يستحق الفرح.

فهي لا تقول إن امرأة أخذت ابنها منها، بل إنها كسبت ابنة جديدة. ولم تحتج إلى إقناع نفسها بهذه الفكرة، لأنها أحبت زوجته فعلًا، وفرحت بها كإضافة جميلة لعائلتنا.

وأعتقد أن هذا النوع من المحبة يجعل الأمور أبسط بكثير. فحين يكون الترحيب صادقًا، لا يحتاج أحد إلى حساب عدد المكالمات أو تفسير كل زيارة مؤجلة، ولا يشعر القادم الجديد بأنه يقف أمام لجنة تنتظر منه إثبات حسن السلوك.

لكن الإنصاف يقتضي ألا نحصر المشكلات العائلية في النساء، رغم أن التراث الشعبي حملهن المسؤولية الأكبر عن معظم الكوارث العائلية، وترك للرجال مهمة الوقوف في الخلفية والتظاهر بأنهم لا يعرفون ما يجري.

فبعض الرجال يمتلكون قدرات لا تقل إثارة للإعجاب في تعقيد العلاقات. هناك مثلًا والد الزوجة الذي يتعامل مع صهره بوصفه متقدمًا لوظيفة حساسة، ويستمر في تقييم أدائه حتى بعد سنوات من الزواج. فإذا اشترى سيارة، سُئل عن سبب اختياره، وإذا غيّر عمله، طُلب منه شرح خطته المستقبلية، وإذا قرر السفر مع زوجته، وجد نفسه يقدم مرافعة كاملة عن جدوى الرحلة وتكاليفها.

وهناك الأخ الذي يرى في زواج أخته مناسبة لإعلان نفسه مسؤولًا عن حمايتها مدى الحياة، فيراقب تصرفات زوجها بحذر، ويتدخل عند أول خلاف، حتى لو كان الخلاف يدور حول اختيار فيلم لمشاهدته مساءً.

ولا ننسى الأقارب الذين لا تربطهم بالزوجين علاقة وثيقة، لكنهم يشعرون بمسؤولية عميقة تجاه حياتهما. هؤلاء يظهرون عادة في المناسبات، ويطرحون أسئلة شخصية للغاية، ثم يغادرون بعد أن يتركوا وراءهم قدرًا مناسبًا من التوتر.

والمفارقة أن الجميع يتدخلون بدافع المحبة، أو هكذا يعتقدون، مع أن المحبة لا تمنح صاحبها حق الاطلاع على كل التفاصيل.

ثم تأتي مشكلة أخرى لا تقل طرافة: اختلاف العادات بين العائلتين.

فما تعتبره عائلة تعبيرًا عن الاحترام، قد تراه الأخرى مبالغة في الرسميات. وما يُعد مزحة عادية في بيت، قد يكون تعليقًا جارحًا في بيت آخر. وحتى الطعام قد يتحول إلى قضية مبدئية، خصوصًا عندما يكون لكل عائلة اعتقاد راسخ بأنها وحدها تعرف الطريقة الصحيحة لإعداد المحشي.

 

وقد تبدأ الخصومة من جملة قيلت بعفوية، ثم تنتقل من شخص إلى آخر حتى تصل إلى صاحبها الأول وقد تغير معناها تمامًا.

ولذلك أعتقد أن حسن الظن ليس مجرد فضيلة أخلاقية جميلة، بل وسيلة عملية لتوفير الوقت والجهد، وربما تكاليف الولائم التي تُقام لاحقًا لإصلاح ما أفسدته التأويلات.

ومن المفيد أيضًا أن نتعلم مهارة نادرة في العلاقات العائلية: أن نسأل الشخص عمّا يقصده، بدل أن نسأل خمسة أشخاص عمّا يعتقدون أنه يقصده.

أما الخصومات التي تقع فعلًا، فلا أرى سببًا لتحويلها إلى قطيعة دائمة. فالناس يختلفون، ويخطئون، وينفعلون، وقد يقول أحدهم كلامًا يندم عليه لاحقًا. وليس من العدل أن نحاكم علاقة كاملة بناءً على لحظة سيئة.

ولعل ما تحتاج إليه العائلات ليس أن تتجنب الخلافات تمامًا، فهذا مطلب غير واقعي حتى بين شخصين يتفقان على معظم الأشياء، وإنما أن تتعلم كيف تختلف دون أن تؤذي، وكيف تعاتب دون أن تهين، وكيف تتصالح دون أن تجعل من الاعتذار احتفالًا بانتصار طرف وهزيمة آخر.

وأظن أن استقبال شخص جديد في العائلة فرصة جميلة لممارسة هذه المهارات جميعًا.

فالصهر ليس ضيفًا مؤقتًا ينبغي أن يظل حذرًا في كل كلمة يقولها، والكنّة ليست متقدمة لامتحان قبول يستمر طوال حياتها. كلاهما إنسان جاء ليشارك أحد أفراد العائلة حياته، ومن حقه أن يجد فيها الاحترام والود، وأن يحتفظ في الوقت نفسه بشخصيته وعاداته وعلاقته بأهله.

ولا يحتاج الأمر إلى أن تصبح العائلتان متطابقتين في الطباع، أو أن يتفق الجميع على كل شيء. يكفي أن يدركوا أن اختلافهم لا يشكل تهديدًا لأحد، وأن الزواج ليس مناسبة لتوسيع دائرة السيطرة، بل لتوسيع دائرة المحبة.

وأتمنى أن تتعامل كل عائلة مع الوافد الجديد إليها، سواء كان صهرًا أو كنّة، بهذه الروح نفسها؛ أن تراه إضافة لا منافسًا، وأن تمنحه المحبة قبل أن تطالبه بإثبات استحقاقه لها، وأن تتذكر أن نجاح الزواج لا يعني خسارة العائلة لأحد أفرادها، بل اتساعها لتضم إنسانًا آخر.

ولأنني لا أجيد إنهاء المقالات العائلية دون أن أفسد شيئًا من عاطفتها بالسخرية، سأكتفي بالقول:

إلى زوجة أخي الجميلة، أهلًا بكِ في عائلتنا.

أتمنى لكما حياة مليئة بالمحبة والضحك والتفاهم، وأعدك بأن أكون أختًا وصديقة، وأن أقف إلى جانبك كلما احتجتِ إليّ.

أما إذا اختلفتِ يومًا مع أخي، فسأستمع إلى روايتكما بكل حياد وإنصاف، ثم أقرر موقفي بناءً على الأدلة.

مع العلم أنني أعرفه منذ زمن أطول، وهذا يمنحني أفضلية لا يستهان بها في جمع الأدلة ضده.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z