سارة البريكي
جسد مسجى على السرير الأبيض يئن بطريقة مؤلمة، كان الصوت عالياً جدًا والصرخات تتعالى أيضاً. آلام وآهات، وهو يحاول تحمُّل ذلك الوجع الذي يصارعه وينظر لمن حوله الباقين قربه يحاولون التخفيف عنه، ولكن هيهات من هذا الألم الذي يقتص روحه شيئًا فشيئًا، يصارع ويصارع من أجل من يحبونه ليس من أجل نفسه؛ فالموت والانتهاء أمر حتمي، لكن الطبيعة البشرية في كل شخص فينا لسان حالها يقول لا زلت أقاوم من أجل كل شيء جميل لأبقى أكثر هنا بين أهلي وناسي وعالمي الذي أحبه.
كانت ساعتي تشير إلى الـ11 صباحاً من يوم السادس من سبتمبر، فجأة تغير كل شيء لم أعد تلك الإنسانة القوية؛ بل أصبحت إنسانة أخرى باغتني ذلك الألم الذي لا أحبه، وتمكن من أيدي التي أكتب بها وأرسم بها وآكل بها وتعينني على كل أعمالي. وبت أسأل نفسي ماذا حلّ بي وأراني أحوم في المنزل أصرخ بشدة، لم أعد احتمل. لبى أهلي النداء وأسعفوني لأقرّب طوارئ، فبات ذلك الجسد طريحاً يئن ويتألم ولا يهدأ. ثمانية أيام على نفس الوتيرة، ناهيك عن ألم الوخز في رحلة إيجاد العرق من أجل البدء في مرحلة العلاج، فأنت مريض، ولكن مرضك يزيد عندما لا يُسارع بعلاجك فالطاقم الطبي لم يقصر ولكن كانت الرحلة مؤلمة والطريقة مؤلمة والألم يزيد.
كنت كطفلة صغيرة لا تعرف كيف تأكل فكانت والدتي تطعمني بيدها ولم أكن أتمنى أن يصل الحال بي لدرجة أن أتعب أمي معي، ولكنها كانت تستمع في تقديم العون لي فسارة أصبحت طفلة تأكل كما كانت في صغرها بيد أمها فقط.
أحيانًا نعيش حالات مماثلة في أوقاتنا الصعبة فنجد من يقف بجانبنا ليشاركنا الوجع ولكي نتغلب عليه سويا، ولكن هناك أوقات لا نجد أحدا حولنا وهذا ما يصيبنا باليأس والإحباط ويزيد من نوبات الآلام التي تصيبنا فنتوه في المكان ونحن ندرك أنَّ هذه الرحلة ليست سوى مرحلة من مراحل حياتنا ستنتهي إما بانتصار أو خسارة ولكن الأمر مُتعب.
تلك القوة التي كنت استمدّها من الصبر ومن وجه أمي كانت كفيلة بأن أتجاوز تلك المرحلة الصعبة إلا أنَّ الأوقات التي نعيشها سويا لا تعود والأيام التي مضت كانت صعبة جدا وتناقص مستوى الأكسجين وازدياد نوبات الألم كانت تقول لي هل ستتخطين ذلك أم ستضعين نقطة على السطر.
يشبه الوجع ذلك الإحساس بالمعاناة المستمرة يشبه الوجع الترقب الشديد لفرصة عمل لم يحن وقتها بعد، يشبه الوجع سنين الانتظار التي مرت بلا أي تقدم يشبه الوجع جروح قد لا تلتئم يشبه الوجع ذكريات حزينة نتمنى أن تعود ويشبه الوجع جسد سارة الملقى على السرير الأبيض باحثاً عن يد المساعدة من الله أولاً ومن الطاقم الطبي ثانيا فشكرا لك يا الله على جميل نعمك وحسن عطائك وشكرا لك يا الله أن أعطيتني عمرا جديدا ونسأل الله أن يكون حافلا بالإنجازات والنجاح والعطاء والتوفيق وشكرا لأمي الحبيبة وكل من ساندني في رحلة النجاة فيا رب هوِّن على جميع المرضى وأمدهم بالشفاء العاجل... اللهم آمين.
شكرًا بلادنا الحبيبة عُمان على توفير العلاج المجاني في كل المستشفيات والرعاية التامة في كافة الميادين. شكرًا سيدي السلطان على ما تقدمونه لخدمة عُمان وشعبها الحبيب.
