وليد الخفيف
في البداية، لا بُد من تقدير جهود اللاعبين، والإشادة بعطائهم السخي وكفاحهم المتواصل على أرضية الميدان، دفاعًا عن شعار المنتخب، وسعيًا إلى تلبية طموحات وتطلعات الجماهير العُمانية، فقد اجتهدوا، وكافحوا، وتمسكوا بحظوظهم حتى اللحظة الأخيرة.
لكن الجهود وحدها لا تكفي، والكفاح داخل الملعب، مهما بلغ، لا يمكن أن يصنع الطموح ما لم يسانده عملٌ متكامل خارج الخطوط، ورؤيةٌ واضحة، ومشروعٌ يمتد من أرضية الملعب إلى منظومة كرة القدم بأكملها.
ومن هنا، أسجل اختلافي في الرأي مع حديث رئيس الاتحاد العُماني لكرة القدم، حين أشار إلى أن النتائج لم تكن مهمة في هذه النسخة من كأس الخليج، وأن المشاركة جاءت في إطار مشروع الإعداد! المنتخب الذي قدم خلال العقد الأخير الأداء الجيد مقرونًا بالنتائج المتميزة والنجاحات المقدرة لا يمكن أن يتعامل مع بطولة بحجم كأس الخليج وكأنها محطة إعداد عابرة.
كأس الخليج ليست بطولة هامشية حتى تُختزل في مفهوم الإعداد؛ فهي بطولة ذات خصوصية خليجية، وتاريخ جماهيري وإعلامي كبير، والنتائج فيها جزء أصيل من قيمة المشاركة. كما لا أرى أن عملية الإحلال الجزئي الحالية يمكن أن تكون مبررًا كافيًا لتراجع المستوى أو النتائج، خصوصًا أن الإحلال في ليس مشروعًا في حد ذاته، وإنما هو جزء من مشروع أكبر يفترض أن تكون له أهداف واضحة، وأدوات تنفيذ، ومراحل زمنية محددة.
وهنا أجد من المهم التفريق بين الإحلال الجزئي الجاري في المنتخب الأول وبين المشروع الذي تحدث عنه الجهاز الفني ورئيس الاتحاد؛ فالمشروع الحقيقي لا يبدأ من المنتخب الأول، ولا ينتهي عنده؛ المشروع يبدأ من القاعدة، من المسابقات، ومن الأندية، ومن المراحل السنية، ومن التكوين إلى الجودة وصولا في النهاية إلى المنتخب الأول.
وحتى الآن، لم يعلن الاتحاد بصورة واضحة عن مشروع متكامل لتطوير كرة القدم في الدولة، ولم نلمس تغييرًا جوهريًا في فلسفة المسابقات أو آليات العمل داخل الأندية. وما زلنا، للأسف، نسير في النهج ذاته تقريبًا، مع تعديلات محدودة لا ترقى إلى مستوى مشروع يُفترض أن يصنع تحولًا حقيقيًا في كرة القدم العُمانية.
وأختلف كذلك مع طرح إمكانية مشاركة المنتخب الأولمبي في الاستحقاق الخليجي!
فالمنتخب الأولمبي الذي لم تعتمد اللجنة الأولمبية مشاركته في دورة الألعاب الآسيوية، في ظل محدودية نتائجه وانخفاض مؤشرات نجاحه، لا يبدو مؤهلًا منطقيًا لخوض بطولة بحجم كأس الخليج، خصوصًا في ظل محدودية التحضير، وعدم انتظام العمل لديه لقرابة العام، والاكتفاء بمعسكر داخلي قصير قبل أيام.
أما القول إن النتائج ليست مهمة في هذه النسخة، فأراه أيضًا تصريحًا لا ينسجم مع طبيعة البطولة، ويتعارض مع التهيئة النفسية المطلوبة للاعبين قبل منافسة ينظر إليها الشارع الرياضي الخليجي بكل اهتمام.
ولحسن الطالع، فإن كأس الخليج بطولة ذاتية التحفيز؛ يكفي أن تدخل أجواءها حتى تشعر بثقل القميص وقيمة الشعار فيأتي العطاء.
وقد ظهر ذلك بوضوح في مباراة نصف النهائي أمام الإمارات، حين أظهر اللاعبون شراسةً كبيرة في الدفاع عن حظوظهم، وقدموا واحدة من أفضل صورهم في البطولة.
وطالما أن المدير الفني للمنتخب الأول ورئيس الاتحاد تحدثا عن مشروع، فإن السؤال الطبيعي والمشروع هو: ما تفاصيل هذا المشروع؟ وما أهدافه ومساراته؟ وما برنامجه الزمني؟ ومتى تبدأ نتائجه بالظهور أو حتى مؤشرات أدائه؟
نحتاج إلى مؤتمر صحفي موسَّع يُطرح فيه المشروع بوضوح، ويُفتح فيه المجال أمام الصحفيين لطرح الأسئلة، بعيدًا عن العبارات الإنشائية والعموميات.
نحتاج إلى حديث واقعي يلامس نقاط الضعف الحقيقية في المنظومة، وفي مقدمتها ضعف المسابقات، وتأثيرها المباشر على مستوى المخرجات. وكيف لنا الحديث عن مشروع للمنتخب الأول من دون قاعدة قوية يرتكز عليها؟ وكيف ننتظر لاعبًا بمواصفات دولية، إذا كانت مسابقات المراحل السنية محدودة المدة، قليلة المباريات، وتُقام في ظروف لا تساعد اللاعب على التطور والإبداع؟
بل إن الأمر يتجاوز الجانب الفني إلى جوانب أخرى، من بينها توقيت إقامة بعض مباريات المراحل السنية، وظروف الطقس، وكذلك إجراءات الأمن والسلامة التي يفترض ألا تكون محل اجتهاد في مسابقات يفترض أنها جزء من بناء مستقبل الكرة العُمانية.
المشروع لا يُبنى بالتصريحات، وإنما بالعمل على مستوى التكوين والمسابقات، ورفع مستوى المباريات، والاستمرارية، والاستثمار في اللاعب، وتطوير المدرب والإداري، وتمكين الأندية.
وللإنصاف من الواجب الإشادة بالملف الذي حقق فيه المجلس الحالي نجاحًا واضحًا، وهو التسويق والشراكات التجارية؛ فقد نجح الاتحاد في استقطاب شراكات جديدة مع القطاع الخاص، إلى جانب المحافظة على عدد من الشركاء السابقين، وهو عمل يستحق التقدير، خصوصًا في ظل أهمية تنويع مصادر الدخل وتعزيز القيمة التجارية للمنتخبات والمسابقات.
لكن على مستوى العمل الفني وتطوير المسابقات والمنتخبات، لا يزال الجديد محدودًا، وما زالت غالبية المسابقات تسير بالآليات ذاتها، فيما تحتاج مسابقات المراحل السنية تحديدًا إلى مراجعة شاملة؛ من حيث مدتها الزمنية، وعدد مبارياتها، وتوقيت إقامتها، والظروف التي تُلعب فيها، بما يضمن للاعب الناشئ بيئة أفضل للتطور والمنافسة.
أما "خليجي 27" فمن الإنصاف أن نرفع القبعة للاعبين.. لقد حاولوا واجتهدوا، وبذلوا ما يستطيعون، وكان بالإمكان أن يكون المردود أفضل، لكنهم لم يدخروا جهدًا في الدفاع عن القميص.
في المقابل، أعتقد أننا تركنا في مسقط بعض الحلول القادرة على صناعة الفارق، ولو من مقاعد البدلاء أو وفقًا لسيناريو المباراة، وفي مقدمتهم عبد الرحمن المشيفري، وصلاح اليحيائي، والمنذر العلوي.
وإذا كان أحدهم لم يكن في كامل جاهزيته الفنية، فنحن في مثل هذه البطولات لا نملك ترف الخيارات الكثيرة؛ وكان من الممكن العمل على تجهيزهم والاستفادة منهم وفق احتياجات كل مباراة.
غادر الأحمر العُماني جدة ببصمة تستحق التوقف عندها، فقدم الفريق أفضل مباراة له على مستوى التنظيم امام الإمارات؛ رد اللاعبون داخل الميدان على كثير من المشككين، وقدموا أنفسهم ندًا قويًا، رغم أن المنتخب لم يكن يمر بأفضل حالاته.
والأهم أنهم أسكتوا بعض الأصوات التي تعاملت مع المنتخب باعتباره صيدًا سهلًا، في خطاب إعلامي شعبوي ضعيف، بعيد عن واقع كرة القدم وعن احترام المنافس.
نعم لم يفز الأحمر بالبطولة؛ لكنه اجتهد.
والآن.. تتجه الأنظار إلى الاستحقاق الآسيوي في يناير المقبل، وهناك، لن يكون المطلوب مجرد المشاركة، ولا الاكتفاء بالحديث عن الإعداد؛ بل المطلوب أن نرى منتخبًا يعرف ماذا يريد، ومنظومةً تعرف إلى أين تتجه، ومشروعًا يعرف كيف يبدأ... ومتى يصل.
المنتخب لا يصنعه معسكر، ولا يُبنى مشروعه بالتصريحات، المنتخب ثمرة منظومة متكاملة، إما أن تكون قائمة ومعلومة للجميع، أو لا تكون!
