«تيتانيك العرب» والسفينة تغرق بنا جميعًا (الثالثة)

 

 

 

 

د. مجدي العفيفي

 

غيبوبة حتى الموت!

(12)

 نعم.. نحن الآن «سفينة تيتانيك» العربية، لكننا أكثر بؤسًا وبلاهة من ركاب السفينة الأصلية.

أولئك – على الأقل – أدركوا لحظة الحقيقة حين بدأ الماء يبتلعهم، أما نحن فما زلنا نصفّق للطغاة، ونرقص على ألحان الوهم، ونسكر بجرعات التفاهة التي تُحقن في عروقنا كل يوم.

(13)

معظم المسؤولين في عالمنا اليوم ليسوا سوى قبطان أعمى يقود سفينة بلا بوصلة نحو جرف الهلاك. همهم الأوحد: حماية كراسيهم الصدئة، حتى لو غرقت معهم الأوطان وتحولت إلى مقابر جماعية. يرقصون على الدم، يتفاخرون بالإنجازات الورقية، ويقمعون كل صوت يصرخ "النجدة!"

أما الشعوب؟ فقد استمرأت الذل. تُصفَّق للجلاد الذي يجلدها، وتبكي على أبواب الطغاة طلبًا لفتات الخبز، وتغرق في مستنقع "الترندات" و"المسلسلات" و"المباريات" وكأنها مخدَّرة بمخدر غامض.

(14) 

تيتانيك غرقت لأن أصحابها صدقوا أنها "غير قابلة للغرق".

هناك من يسرق مقدراتنا في وضح النهار، ويبيع أرضنا وثرواتنا.

(15)

نحن لا نغرق فقط… نحن نموت ونحن نضحك!

شباب يُهاجرون في قوارب موت هربًا من جحيم الداخل.

تعليم يتهاوى حتى صار تخريج الجهلاء سياسة رسمية.

شعوب تنتظر معجزة سماوية، بينما المعجزة الوحيدة هي أن تصحو وتصرخ: "كفى عبثًا!".

(16)

هذه السفينة لن تنجو ما دام الركاب صامتين والقبطان أعمى.

وستأتي لحظة حين تغلق المياه كل الأبواب، فلا تنفعنا خطب ولا بكاء ولا شعارات جوفاء.

النجاة الوحيدة هي ثورة وعيٌ؛ وعيٌ بأن الخوف لا يحمي أحدًا بل يقتل الجميع. وعيٌ بأن الكرامة أثمن من الخبز، وأن الحرية أثمن من حياة عبودية في قاع السفينة.

(17)

أيها الجالسون على كراسيكم الخشبية المهترئة، تذكّروا: حين تغرق السفينة، لن ينفعكم الذهب ولا الحرس ولا الجدران العالية.

ستغرقون معنا جميعًا، لكن الفرق أنكم ستغرقون ملعونين في التاريخ، مفضوحين في ذاكرة الأجيال.

(18)

إذا كان التاريخ يعيد نفسه، فإننا- نحن العرب- نعيده بأسوأ نسخة ممكنة.

دعونا نفتح الجرح بلا مسكنات، ونقولها صريحة بلا مواربة: نحن في قاع الغيبوبة، ونوشك أن نصبح أثرًا بعد عين.

هذه.. مخنوقة في غرفة الدرجة الثالثة

وتلك..  أصبحت غرفة مظلمة في قاع السفينة.

تعليم منهار، يخرّج جيلاً عاجزًا عن التفكير.

اقتصاد مرهون للديون، حتى الخبز صار حلمًا يشتريه الإنسان العربي بالذل.

شباب يُدفنون في السجون أو يهربون في قوارب الموت، بينما هناك من يبيع الوهم ويغنّي "يحيا الوطن".

وهذا كيان مركب مثقوب يغرق ببطء ذاك البلد الذي كان... وكان...! أصبح زورقًا مثقوبًا، يغرق بهدوء وسط بحر من الفساد والطائفية.

وهذا كيان فيه شعب محاصر بأمراء الحرب والمال، يدفع ثمن كل انفجار وكل انهيار من دمائه وجوعه.

زعامات عاجزة لا ترى سوى جيوبها ومصالحها، بينما الأمل يهاجر مع كل شاب يحمل حقيبته إلى المجهول.

(19)

إنها مقابر عائمة..

تحولت إلى جرح مفتوح، نصف شعبها بين قتيل ومهجّر، والبقية تعيش في وطن محتل تتنازعه جيوش الأرض.

وتلك الأرض الطيبة، تحولت إلى رماد بفعل حروب الجشع الإقليمي، وأطفالها يموتون جوعًا بينما الساسة يتقاسمون فتات الخراب.

وتلك الغنية بالنفط، أصبحت ساحة قتال للميليشيات والمرتزقة، بلا دولة ولا أفق.

في قاعات الدرجة الأولى من السفينة العربية، يجلس الأثرياء يحتفلون بمشاريع ناطحات السحاب والمهرجانات الصاخبة.

لكن الحقيقة أن الماء يتسلل من تحت الطاولة: اعتماد مَرَضي على النفط في زمن الطاقة النظيفة.

فجوة اجتماعية تتسع بين أقلية مترفة وغالبية تبحث عن الكرامة.

غياب الإصلاح الذي يجعل أي أزمة عالمية كفيلة بهدم السقف على الجميع.

(20)

الشعوب.. رُكَّاب مخدرون

المأساة الكبرى ليست في القادة وحدهم، بل في الشعوب المخدّرة:

شعوب تصفق للجلاد وتلعن الضحية.

شعوب تسخر من صوت الحقيقة وتصفه بالجنون.

شعوب اختارت دور المتفرج في فيلم نهايته معلومة، مكتفية بمتابعة "الترند" و"المسلسلات" و"اللايكات".

الاصطدام قادم..

أيها الناس، لا تخدعوا أنفسكم:

السفينة تمخر عباب بحر هائج.

الجبل الجليدي أمامنا واضح وضوح الشمس.

وكل يوم يمر، يقل عدد قوارب النجاة.

الاصطدام قادم، والانهيار شامل، وإذا لم نصحُ الآن، فلن يبقى بعد سنوات إلا حطام أوطان وأغاني بلهاء نبكي عليها بلا جدوى.

....

وللصرخة تجليات وتداعيات.. إن كان في العمر بقية.

الأكثر قراءة

z