مسقط - الرؤية
شهدت سلطنة عُمان في مثل هذا اليوم، الثالث والرابع من أكتوبر 2021، واحدة من أقسى الحالات المدارية التي أثرت على البلاد، مع وصول التأثيرات المباشرة لإعصار «شاهين» إلى ولايات شمال الباطنة، ولا سيما السويق والخابورة، في حدث ترك خسائر بشرية ومادية واسعة، وذاكرة لا تزال حاضرة لدى أبناء المحافظة.
وكانت ليلتا 3 و4 أكتوبر 2021 من الأيام التي يصعب على أهالي السويق والخابورة نسيانها، بعدما غمرت مياه الأمطار والأودية مناطق واسعة، وحاصرت المياه المنازل والمزارع والطرق، وسط انقطاع الكهرباء والاتصالات في أجزاء من المناطق المتضررة، فيما تعالت أصوات الاستغاثة والتهليل والتكبير في ليلة وصفها كثيرون بأنها من أصعب الليالي التي مرت على المنطقة.
وخلف إعصار «شاهين»، الذي يُعد من أعنف الحالات المدارية التي أثرت على سلطنة عُمان خلال العقود الماضية، خسائر بشرية وأضرارًا واسعة في الممتلكات والبنية الأساسية، إلى جانب آثار نفسية واجتماعية عميقة على مختلف فئات المجتمع.
وأظهرت مشاهد ما بعد الإعصار حجم الأضرار التي لحقت بالمزارع والمنازل والطرق والمنشآت، بعدما أحاطت مياه البحر والأمطار الغزيرة بمناطق واسعة من شمال الباطنة.
لكن تداعيات شاهين كشفت في المقابل عن مشهد آخر، تمثل في سرعة استجابة المجتمع العُماني وتكاتفه في مواجهة آثار الحالة المدارية، إذ تحولت الأيام التالية إلى ملحمة من العمل التطوعي والمساندة الإنسانية، شارك فيها مواطنون ومقيمون ومؤسسات حكومية وعسكرية وجمعيات وفرق تطوعية وأفراد من مختلف محافظات السلطنة.
وكان يوم 8 أكتوبر 2021 من أبرز أيام تلك الاستجابة المجتمعية، بعدما توافد آلاف المتطوعين إلى المناطق المتضررة في شمال الباطنة للمشاركة في عمليات الإنقاذ وإزالة آثار الإعصار ومساعدة الأسر المتضررة، في مشهد عُرف لاحقًا بـ«الملحمة الوطنية».
وبينما كان المجتمع يعيش تداعيات شاهين، كانت فرق الدولة والمؤسسات المدنية والعسكرية والجمعيات الخيرية والفرق التطوعية والأفراد تعمل على الأرض لإنقاذ المتضررين وإعادة الخدمات ومعالجة آثار الدمار، في استجابة واسعة امتدت إلى مختلف المناطق المتضررة.
إعصار استثنائي في تاريخ السلطنة
واستعرضت هيئة الطيران المدني، تفاصيل إعصار شاهين، ومراحل تطوره ومساره وشدة الرياح والأمطار التي صاحبت دخوله اليابسة، إلى جانب أبرز آثاره على المناطق المتضررة.
ويُعد «شاهين» من أقوى الحالات المدارية التي أثرت على سلطنة عُمان خلال نحو 130 عامًا.
وحمل الإعصار اسم «شاهين»، وهي كلمة عربية تعني «الصقر الجوال»، وهو أحد أنواع الصقور المستخدمة في الصيد، وقد اقترحت دولة قطر الاسم ضمن قائمة أسماء الأعاصير المدارية الخاصة بمنطقة خليج البنغال وبحر العرب.
وبحسب التقرير، وصل مركز شاهين إلى اليابسة في 3 أكتوبر 2021 عند نحو الساعة 16:00 بالتوقيت العالمي، الموافق 20:00 بالتوقيت المحلي، كإعصار مداري من الفئة الأولى على سواحل ولاية المصنعة، مع تسجيل سرعة رياح متوسطة بلغت 75 عقدة، أي نحو 139 كيلومترًا في الساعة، وفق البيانات المتاحة من قاعدة سعيد بن سلطان البحرية.
وأوضح التقرير أن أقوى الرياح وأغزر الأمطار تركزت في الجزء الشمالي من الإعصار، ما جعل المنطقة الممتدة من المصنعة إلى صحم الأكثر تأثرًا، فيما امتدت التداعيات بشكل خاص إلى ولايتي السويق والخابورة.
وسجلت الحالة، وفق البيانات الواردة في التقرير، 12 وفاة نتيجة الفيضانات، إلى جانب أضرار واسعة في الممتلكات العامة والخاصة، شملت المنازل والمزارع وشبكات النقل والكهرباء والمياه.
وخلال الفترة من 26 سبتمبر إلى 4 أكتوبر 2021، أصدر المركز الوطني للإنذار المبكر المتعدد الأخطار 13 بيانًا رسميًا و49 منشورًا عبر منصة «إكس»، تضمنت معلومات وتقارير وتنبيهات وتحذيرات بشأن تطورات الحالة المدارية.
تطور إعصار شاهين من بقايا الإعصار المداري «جولاب»، الذي نشط فوق خليج البنغال قبل أن يعبر الأراضي الهندية ويتراجع إلى منطقة ضغط جوي منخفض فوق ولاية غوجارات في 29 سبتمبر 2021.
وفي مساء اليوم ذاته، عاد النظام إلى الكتلة الهوائية البحرية المدارية غرب السواحل الهندية، ليبدأ مرحلة جديدة من التطور فوق بحر العرب.
وتابع المركز الوطني للإنذار المبكر الحالة منذ ظهورها كمنخفض مداري في خليج البنغال، مرورًا بعبورها الأراضي الهندية، ثم إعادة اشتدادها فوق بحر العرب، وصولًا إلى دخولها اليابسة على سواحل شمال الباطنة.
وأظهرت نماذج التنبؤات الجوية متوسطة المدى في 24 سبتمبر مؤشرات مبكرة إلى احتمال تأثير نظام مداري على سلطنة عُمان، إذ أشار أحد تحديثات نموذج المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى إلى اقتراب عاصفة مدارية من محافظة جنوب الشرقية في 2 أكتوبر، في حين لم تتفق بقية النماذج حينها على هذا السيناريو.
وفي 29 سبتمبر، دخل النظام إلى الكتلة الهوائية البحرية المدارية فوق بحر العرب، بالتزامن مع زيادة ملحوظة في مساحة الخلايا الركامية النشطة غرب مركزه، فيما وصلت درجات حرارة قمم السحب إلى نحو 88 درجة مئوية تحت الصفر.
كما أشارت تحليلات الرياح في الطبقات المتوسطة من الغلاف الجوي إلى أن حركة النظام ستكون باتجاه الغرب، بينما أظهرت بيانات قص الرياح ظروفًا مواتية لمزيد من التطور.
وفي 30 سبتمبر، تعمقت الحالة إلى منخفض عميق مع توفر ظروف جوية ملائمة للاشتداد، من بينها ارتفاع درجة حرارة سطح البحر إلى ما بين 30 و32 درجة مئوية، وهي درجات أعلى بكثير من الحد الأدنى الملائم لتشكل الأعاصير المدارية والبالغ نحو 26.5 درجة مئوية.
كما سادت المنطقة رياح قص خفيفة إلى متوسطة تراوحت بين 5 و20 مترًا في الثانية، إلى جانب وجود تباعد علوي قوي في طبقات الجو العليا، وهي عوامل ساعدت على استمرار اشتداد النظام.
1 أكتوبر.. شاهين إعصار من الفئة الأولى
في الأول من أكتوبر، واصل شاهين تحركه غربًا باتجاه السواحل العُمانية، وأظهرت صور الأقمار الصناعية عند الساعة 09:00 بالتوقيت العالمي أن مركز العاصفة كان قرب خط عرض 23.3 شمالًا وخط طول 64.4 شرقًا، على مسافة تقارب 650 كيلومترًا من مسقط، فيما كانت أقرب نطاقات السحب الركامية على بعد نحو 500 كيلومتر من العاصمة.
وأظهرت تحديثات النماذج العالمية والإقليمية توافقًا على اشتداد العاصفة إلى إعصار مداري من الفئة الأولى خلال 24 ساعة، مع توقع تحركه غربًا باتجاه المناطق الساحلية الممتدة من مسقط إلى محافظات شمال الباطنة.
3 أكتوبر.. دخول اليابسة وبداية أصعب الساعات
في الساعة 16:00 بالتوقيت العالمي من 3 أكتوبر، وصل مركز إعصار شاهين إلى اليابسة على سواحل ولاية المصنعة، مع تسجيل سرعة رياح بلغت نحو 75 عقدة.
وأشار التقرير إلى أن تحديد الموقع والتوقيت الدقيقين لدخول الإعصار اليابسة لم يكن فوريًا بسبب التشوه الذي تعرض له مركز الإعصار، إذ تراوحت التقديرات الأولية بين الساعة 15:00 و18:00 بالتوقيت العالمي، وبين ولايتي المصنعة والسويق.
وبعد جمع بيانات الأقمار الصناعية ومحطات الرصد وشهادات شهود العيان والمسوح الميدانية، تم تحديد وقت دخول شاهين اليابسة عند الساعة 16:00 بالتوقيت العالمي، في المنطقة الساحلية الشرقية من ولاية المصنعة قرب السوادية.
ومع دخول الإعصار اليابسة، بدأت الأمطار الغزيرة والرياح العاتية في المصنعة والسويق، واستمرت حتى صباح اليوم التالي، فيما امتدت التأثيرات لاحقًا إلى ولاية الخابورة، مصحوبة بأمطار غزيرة ورياح قوية وفيضانات جارفة.
وسجلت محطة السويق كمية أمطار بلغت 55 ملم وسرعة هبة رياح وصلت إلى 72 عقدة عند الساعة 18:00 بالتوقيت العالمي.
وتسببت الأمطار الشديدة في فيضانات اجتاحت مناطق واسعة وألحقت أضرارًا بالمنازل والشوارع والأشجار والممتلكات العامة والخاصة، بينما بدأت انقطاعات الكهرباء منذ الساعة 15:00 بالتوقيت العالمي في أجزاء واسعة من السويق والخابورة والأجزاء الجنوبية الشرقية من ولاية صحم، واستمرت في بعض المناطق المتضررة لنحو سبعة أيام.
أمطار قياسية ورياح عاتية
أظهرت بيانات محطات الأرصاد التابعة للمديرية العامة للأرصاد الجوية ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه أن الخابورة كانت من أكثر المناطق تأثرًا بالأمطار، تلتها السويق، ثم بوشر في محافظة مسقط، فالمصنعة.
وبحسب التقرير، بلغت أعلى كميات الأمطار التراكمية المسجلة 465 ملم في محطة الخابورة و430 ملم في محطة السويق خلال تأثير الإعصار.
كما سجلت محطة السويق أعلى معدل هطول ساعي، بلغ 76 ملم خلال ساعة واحدة عند الساعة 22:00 بالتوقيت المحلي في 3 أكتوبر، فيما سجلت المحطة 55 ملم في الساعة عند الساعة 23:00 في اليوم ذاته.
وسجلت محطة مدينة مسقط معدل هطول بلغ 40.8 ملم في الساعة عند الساعة 03:00 فجرًا.
أما على صعيد الرياح، فسجلت محطة السويق أقصى هبة رياح بلغت 90 عقدة عند الساعة 19:00 بالتوقيت العالمي، الموافق 23:00 بالتوقيت المحلي، بالتزامن مع تسجيل أدنى ضغط جوي بلغ 988.7 هكتوباسكال.
كما سجلت محطة بوشر ثاني أعلى هبة رياح بلغت 55.1 عقدة عند الساعة 11:00 صباحًا بالتوقيت المحلي في اليوم ذاته.
وفي قاعدة سعيد بن سلطان البحرية بوادم الساحل في ولاية المصنعة، أظهرت بيانات السفن تسجيل سرعات رياح قصوى بلغت 98 عقدة للسفينة «أ»، و77 عقدة للسفينة «ب»، و76 عقدة للسفينة «ج» عند الساعة 15:00 بالتوقيت العالمي.
وأعقب هذه السرعات انخفاض حاد في سرعة الرياح تجاوز 60 عقدة خلال الساعتين التاليتين، وهو ما شكل مؤشرًا على مرور عين الإعصار بالقرب من الموقع.
من كارثة طبيعية إلى ملحمة وطنية
لم تتوقف قصة شاهين عند حجم الأضرار التي خلفها، بل امتدت إلى مشاهد التضامن والتكاتف التي بدأت فور انحسار أخطر تأثيراته.
فبعد أن اتضح حجم الأضرار في شمال الباطنة، تداعى العمانيون والمقيمون من مختلف المحافظات إلى مساعدة المتضررين، وتنوعت المبادرات بين عمليات الإنقاذ وإزالة آثار الأضرار، وتوفير الغذاء والمياه والاحتياجات الأساسية، ودعم الأسر المتضررة وإعادة تأهيل المنازل والمزارع والطرق.
وفي الأيام التالية، تواصلت الحملات التطوعية على نطاق واسع، حتى بلغ التكاتف ذروته في 8 أكتوبر 2021، عندما شهدت شمال الباطنة توافد أعداد كبيرة من المواطنين والمقيمين للمشاركة في جهود الإغاثة وإزالة آثار الإعصار.
وكان المشهد أكبر من مجرد استجابة لحالة جوية عابرة؛ فقد اجتمعت فيه جهود مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والجمعيات الخيرية والفرق التطوعية والأفراد، كبارًا وصغارًا، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ومساندة المتضررين.
وبعد خمس سنوات، تبقى ليلة شاهين وما أعقبها من أيام حاضرة في الذاكرة العُمانية، ليس فقط باعتبارها واحدة من أقسى التجارب المناخية التي شهدتها السلطنة، وإنما أيضًا باعتبارها محطة كشفت حجم التحدي أمام المجتمع والدولة، وفي الوقت نفسه أظهرت مشهدًا واسعًا من التضامن والتكافل والعمل الجماعي في مواجهة الكارثة.




































