خريف ظفار.. حين يصبح المجتمع شريكًا في النجاح

 

 

 

أحمد الفقيه العجيلي

في كل عام، ومع بداية الخريف، تتغير حياة ظفار. تزدحم الطرق والمواقع السياحية، تمتلئ الفنادق والمطاعم والأسواق، وتنتعش حركة البيع والشراء، ويصل الزوار من مختلف أنحاء سلطنة عُمان وخارجها بحثًا عن تجربة لا يجدونها في هذا الوقت من العام في أماكن كثيرة، لكن خلف هذا المشهد هناك مجتمع يعيش الموسم بكل تفاصيله.

هناك المزارع الذي يرى في الخريف فرصة لعرض منتجاته، وصاحب الحرفة الذي يجد سوقًا أوسع لعمله، والأسرة التي يمكن أن تحول ما تنتجه في منزلها إلى مصدر دخل، والشاب الذي يبحث عن فرصة للعمل أو تقديم خدمة للزوار، والمرشد الذي يعرف تفاصيل المكان أكثر من أي دليل مكتوب.

وهنا يبرز سؤال ربما لا يقل أهمية عن كل الأسئلة التي طرحناها في المقالات السابقة: هل يستطيع المجتمع المحلي أن يكون جزءًا من صناعة الموسم، وليس مجرد مجتمع يعيش إلى جواره؟

السياحة لا تنجح بالحكومة وحدها، ولا بالمستثمر وحده. قد تُبنى الفنادق وتُجهز الطرق وتقام الفعاليات وتطلق الحملات التسويقية، لكن التجربة التي يحملها السائح معه عندما يغادر ظفار يصنعها المكان والناس معًا. وقد تكون هذه هي الحلقة التي تحتاج إلى اهتمام أكبر في المرحلة المقبلة.

ليس المقصود أن يتحول كل فرد في المجتمع إلى عامل في القطاع السياحي، وإنما أن تتسع دائرة المستفيدين من الموسم، بحيث يجد كل من يملك مهارة أو منتجًا أو معرفة أو فكرة فرصة للمشاركة والاستفادة؛ فالأسر المنتجة، على سبيل المثال، تستطيع أن تكون جزءًا من المشهد السياحي من خلال الأطعمة والمنتجات المحلية، إذا وجدت أماكن مناسبة ومنظمة لعرض منتجاتها، بدل أن تظل مشاركتها محدودة أو مرتبطة بمبادرات متفرقة.

والمُزارِع في ظفار لا يملك مجرد مزرعة، بل يملك تجربة يمكن أن تكون في حد ذاتها منتجًا سياحيًا. وزيارة مزرعة، والتعرف على زراعة الموز والنارجيل والبابايا، وتذوق المنتجات المحلية، والاستماع إلى صاحب المزرعة وهو يشرح للزائر طبيعة الأرض ومواسم الزراعة، كلها تفاصيل بسيطة، لكنها تمنح السائح شيئًا لا يستطيع الفندق أو المطعم وحده أن يقدمه.

والأمر نفسه ينطبق على الحرفيين؛ فالحرفة عندما تُعرض أمام السائح باعتبارها جزءًا من ثقافة المكان تصبح أكثر من مجرد سلعة. يمكن للزائر أن يرى كيف تُصنع، ويتعرف على قصتها، ويشتريها من صانعها، وربما يحملها معه إلى بلده بوصفها ذكرى مرتبطة بظفار.

وهنا تتحول الهوية المحلية نفسها إلى جزء من الاقتصاد السياحي. ولعل من المجالات التي تستحق اهتمامًا أكبر أيضًا المرشدون السياحيون من أبناء المحافظة.

فمن يعرف المكان مثل أهله؟ ومن يستطيع أن يروي قصة وادٍ أو عين أو قرية أو موقع تاريخي بالطريقة التي يرويها شخص عاش بالقرب منه وتعرف على تفاصيله منذ طفولته؟

إن تأهيل أبناء المجتمع المحلي وتدريبهم على الإرشاد السياحي، واللغات، والإسعافات الأولية، ومهارات التعامل مع الزوار، يمكن أن يفتح أمام الشباب مجالًا مهنيًا جديدًا، وفي الوقت نفسه يقدم للسائح تجربة أكثر عمقًا وارتباطًا بالمكان.

وقد يكون من المفيد التفكير في تحديد عدد من المواقع الطبيعية والزراعية والثقافية، ثم تأهيلها لاستقبال الزوار بصورة منظمة، وتدريب أبناء المناطق القريبة منها لإدارة التجربة والإرشاد فيها.

وبهذه الطريقة لا يصبح الزائر مجرد عابر يلتقط صورة ثم يغادر، وإنما يعيش تجربة يتفاعل فيها مع المكان وأهله.

أما الشباب، فربما يكونون أكبر طاقة غير مستثمرة في موسم الخريف؛ فالموسم يحتاج إلى النقل، والتنظيم، والإرشاد، والتصوير، وصناعة المحتوى، والتسويق الرقمي، وتنظيم الفعاليات، والخدمات المختلفة. وهذه مجالات يمكن أن يجد فيها الشباب فرصًا حقيقية إذا توافرت لهم برامج تدريب وتأهيل، ولم تقتصر الفرص على الوظائف الموسمية التقليدية؛ بل إن بعض الأفكار التي قد تبدو صغيرة يمكن أن تتحول مع الوقت إلى مشاريع ناجحة. شاب يعرف كيف يصنع محتوى عن ظفار، أو ينظم رحلات للمواقع الطبيعية، أو يقدم خدمة نقل سياحي، أو يطور تجربة مرتبطة باللبان أو الزراعة أو الثقافة المحلية، قد يبدأ بمشروع محدود ثم يكتشف أنه أمام سوق يتوسع عامًا بعد عام.

وهنا يأتي دور الجهات المعنية في خلق البيئة التي تساعد هذه الأفكار على النمو، بدل أن تبقى مجرد مبادرات فردية تظهر في موسم وتختفي بانتهائه. ولا ينبغي أن ننسى المتطوعين؛ ففي المواسم الكبيرة، هناك دائمًا حاجة إلى من يساعد الزوار، ويرشدهم، وينظم بعض المواقع، ويقدم المعلومات، ويساهم في الحفاظ على النظافة والمظهر العام. ويمكن للمتطوعين من أبناء المحافظة أن يكونوا جزءًا من هذه المنظومة، إذا جرى تنظيم جهودهم وتدريبهم ومنحهم مساحة واضحة للمشاركة.

لكن مشاركة المجتمع لا تعني أن نحمّله مسؤولية كل شيء؛ فالجهات الحكومية مطالبة بتوفير البنية الأساسية والتنظيم، والقطاع الخاص مطالب بتقديم خدمات واستثمارات ذات جودة، بينما يحتاج المجتمع إلى أن يجد مساحة حقيقية للمشاركة وفرصًا عادلة للاستفادة.

وإذا غابت هذه المعادلة، فقد يشعر المواطن أن الموسم يحدث في مكانه، لكنه لا يحدث معه. وهذا شعور ينبغي ألا نسمح له بالتراكم؛ فمن الطبيعي أن يتضايق السكان من الازدحام والضغط الذي يرافق موسم الخريف، وقد تحدثنا عن ذلك في المقال السابق. لكن معالجة هذه الآثار لا تكون فقط بتوسعة الطرق أو زيادة المواقف، وإنما أيضًا بجعل المجتمع يرى الجانب الآخر من المعادلة: ماذا عاد عليه هذا الموسم؟

وعندما يجد المزارع سوقًا أفضل لمنتجاته، والأسرة منفذًا لمنتجاتها، والحرفي زبائن جددًا، والشاب فرصة عمل أو مشروعًا، والمرشد مصدر دخل، فإن نظرة المجتمع إلى الموسم تتغير بصورة طبيعية. عندها يصبح الزائر جزءًا من دورة اقتصادية يستفيد منها المكان وأهله، وليس مجرد سبب إضافي للازدحام.

وهذا يقودنا إلى مفهوم أوسع هو الثقافة السياحية؛ فالترحيب بالسائح لا يعني أن يتنازل المجتمع عن عاداته أو خصوصيته، وإنما أن يدرك أن الزائر الذي يأتي إلى ظفار ليس مجرد مستهلك، بل إنسان يحمل معه صورة عن المحافظة وأهلها.

وفي المقابل، يحتاج السائح نفسه إلى احترام المكان والمجتمع، والالتزام بالأنظمة، والمحافظة على المواقع الطبيعية، وعدم التعامل مع المحافظة وكأنها مساحة مفتوحة بلا حدود.

العلاقة إذن يجب أن تكون متبادلة: المجتمع يرحب ويحافظ على هويته، والزائر يحترم المكان وأهله.

وقد تكون المدارس والجامعات والمؤسسات الأهلية والقطاع الخاص شركاء في بناء هذه الثقافة، خصوصًا بين الشباب، حتى تصبح السياحة جزءًا من الوعي المجتمعي، لا مجرد نشاط موسمي يأتي مع الضباب ويرحل معه.

وربما يكون النجاح الحقيقي عندما يبدأ المجتمع نفسه في التفكير في الموسم قبل أن يبدأ.

عندما يبدأ المزارع في تجهيز منتجاته، والحرفي في تطوير أعماله، والشاب في إعداد مشروعه، والأسرة في التخطيط لما ستقدمه، والمتطوع في الاستعداد للمشاركة، عندها يصبح الخريف أكثر من موسم سياحي تديره الجهات المختصة؛ يصبح موسمًا يصنعه المجتمع أيضًا.

وهذه النقلة هي التي يمكن أن تجعل أثر الخريف أعمق وأطول؛ فالسياحة المستدامة التي تحدثنا عنها في المقال السابق لا تعني فقط أن نحافظ على الجبال والأودية والعيون، وإنما أن نحافظ أيضًا على العلاقة بين السياحة والمجتمع.

فلا معنى لاقتصاد سياحي مزدهر إذا بقيت ثماره محصورة في قطاعات محدودة، ولا معنى لموسم يحقق أرقامًا كبيرة إذا شعر أهل المكان أنهم مجرد متفرجين على حركة تجري من حولهم.

نحن لا نريد أن يكون خريف ظفار موسمًا يزور فيه الناس ظفار فقط، بل موسمًا يشارك فيه أهل ظفار.

وعندما يشعر المجتمع أن له مكانًا في هذه القصة، وأن نجاح الموسم يمكن أن يفتح لأبنائه أبوابًا للعمل والمشاريع، ويحافظ في الوقت نفسه على هويته وطبيعته، فسيتحول من مجرد متلقٍ لنتائج السياحة إلى أحد أهم عناصر نجاحها.

عندها فقط يمكن أن نقول إن الخريف أصبح اقتصادًا للمكان، لا مجرد موسم يمر عليه؛ فالموسم تصنعه الطبيعة، لكن نجاحه الحقيقي يصنعه الإنسان.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z