حين يصبح الشعر سلاحًا ذا حدّين

 

عبدالنبي الشعلة

يُعدّ الشعر، وخصوصًا عند العرب، واحدًا من أهم عناصر القوة الناعمة وأكثرها رسوخًا وتأثيرًا؛ فقد كان، منذ أقدم العصور، سجلًا للذاكرة، ولسانًا للقبيلة والأمة، ومنبرًا للدفاع عن القيم والكرامة والهوية. وفي أوقات الأزمات والتحديات الأمنية، لا تتراجع أهمية الشعر والثقافة، بل ربما تتضاعف؛ لأن الشعوب لا تحمي أوطانها بالسلاح والتحالفات وحدها، وإنما تحميها أيضًا بالكلمة التي تجمع ولا تفرّق، وتبني الوعي ولا تستثير الغرائز.

وقبل فترة ليست بالطويلة، كتبت مقالًا عن زيارتي لمقهى «سلافيا» في مدينة براغ، عاصمة جمهورية التشيك، الذي كان يرتاده بانتظام الشاعر العراقي العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، خلال سنوات منفاه وإقامته في تلك المدينة. وذكرت أن الجواهري كتب في براغ بعض أجمل قصائده وأكثرها تعبيرًا عن الحنين إلى العراق، وأن الشعر ظل عنده مرتبطًا بالوطن والحرية والعدالة، منذ أن فقد شقيقه جعفر في «وثبة يناير» عام 1948، فخلّده بقصيدته الشهيرة التي مطلعها:

«أتعلمُ أم أنتَ لا تعلمُ
بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ»

وقد ظننت، حين نشرت ذلك المقال، أنه لن يحظى باهتمام يُذكر، فالناس منشغلون بما تتعرض له منطقتنا من أخطار واعتداءات وابتزاز وتهديد للأمن والاستقرار. غير أن ظني لم يكن في محلّه؛ فقد أثار المقال اهتمام عدد من المثقفين والقراء، وتلقيت حوله تعليقات تناولت الجواهري وشعره ومواقفه السياسية من زوايا متعددة، كان بعضها نقديًا وقاسيًا.

فقد وضعه بعض المعلّقين في زمرة الشعراء الذين لم يلتزموا دائمًا بالقيم التي تغنّوا بها، وإنما تنقّلوا بقصائدهم بين الحكام والعهود، يمدحون من يقرّبهم ويهجون من يُبعدهم. واستحضر بعضهم في ذلك سيرة المتنبي، الذي تنقّل بين بلاطات عصره، ومدح من أحسن إليه، ثم انقلب بالهجاء على من خيّب طموحه أو حرمه العطاء.

واستند أصحاب هذا الرأي إلى أن الجواهري عمل مدةً في البلاط الملكي العراقي، وأشاد في بعض شعره برجالات العهد الملكي، ثم رحّب بحركة الرابع عشر من يوليو 1958، التي أسقطت الملكية في مشهد بالغ العنف والدموية، ومدح قائدها عبدالكريم قاسم، قبل أن يختلف معه ويغادر العراق. ثم عاد في عهد البعث، وأقام صلات مع عدد من رموزه، ومن بينهم صالح مهدي عماش، أحد أبرز قادته العسكريين والسياسيين.

ومن بين ما نُسب إلى الجواهري في هذا السياق البيت الشهير:

«بعثٌ تشيّده الجماجم والدمُ
تتهدّم الدنيا ولا يتهدّمُ»

وهو بيت حافل بمفردات القوة والدماء والجماجم والهدم، ويختزل جانبًا من اللغة التي رافقت الانقلابات والصراعات العقائدية في العراق والمنطقة خلال تلك المرحلة. غير أن البحث والتقصي يكشفان أن نسبة هذا البيت إلى الجواهري غير صحيحة، وأنه يُنسب، في روايات متداولة، إلى صالح مهدي عماش، بينما تنسبه روايات أخرى إلى الشاعر العراقي عبدالمحسن عقراوي. ولذلك لا يجوز تحميل الجواهري مسؤولية بيت لم تثبت نسبته إليه، مهما تكن مواقفنا من تقلباته السياسية أو من علاقته بالحكام والأنظمة.

لكن تبرئة الجواهري من هذا البيت لا تعني تبرئته تمامًا من استخدام الشعر في التحريض على الشدة والبطش. ففي قصيدته الشهيرة «تحرك اللحد»، التي ألقاها أمام عبدالكريم قاسم بعد سقوط الحكم الملكي، خاطبه قائلًا:

«أقدمْ فأنتَ على الإقدام منطبِعٌ
وابطُشْ فأنتَ على التنكيل مقتدرُ»

ثم قال:

«فضيّق الحبلَ واشددْ من خناقهمُ
فربما كان في إرخائه ضررُ»

بل مضى أبعد من ذلك حين دعاه إلى ألّا تأخذه رأفة بخصوم النظام الجديد. وهي أبيات لا يمكن قراءتها اليوم من دون التوقف أمام لغتها الحادة، وما تحمله من دعوة صريحة إلى البطش والتنكيل وتضييق الخناق، حتى وإن كان الشاعر يرى، في ظرفها التاريخي، أن الجمهورية الوليدة تتعرض لمؤامرات داخلية وخارجية، وأن خصومها يسعون إلى إسقاطها.

غير أن فهم الظروف التي قيلت فيها القصيدة لا يعني تبرير مضمونها. فالشاعر، مهما بلغ غضبه، يظل مسؤولًا عن كلمته، ولا سيما حين تكون له مكانة الجواهري وتأثيره. فالكلمة التي تخرج من شاعر كبير لا تبقى حبيسة الديوان، وإنما تتحول إلى موقف عام، وقد تصبح غطاءً أدبيًا للانتقام أو الإقصاء أو العنف.

وهنا تكمن المفارقة في تجربة الجواهري؛ فهو الشاعر الذي نطق بلسان الضحايا، وخلّد الحرية والعدالة والوطن، وهو نفسه الذي اندفع، في لحظة سياسية محتدمة، إلى استخدام لغة قاسية تناقض، في جانب منها، القيم الإنسانية التي دافع عنها. وقد لا يكون هذا التناقض خاصًا به وحده، بل هو جزء من مأزق المثقف العربي حين تقترب منه السلطة، أو حين تجرفه الحماسة الأيديولوجية، فيتحول من ضمير إنساني ناصح للحاكم إلى صوت يحرضه.

وفي أدق المراحل الأمنية التي تمر بها منطقتنا، نحن أحوج ما نكون إلى شعر وثقافة وإعلام يرفعون مناعة المجتمع، ويعززون وحدته وثقته بنفسه، ويحمون حقه في الأمن والكرامة، من غير تحريض أو انتقام. فالشعر سلاح ذو حدّين: قد يكون جسرًا للمحبة والوعي، وقد يصبح وقودًا للكراهية والعنف. وتبقى عظمة الشاعر الحقيقية ليست في قوة عبارته وجزالة قصيدته وحدهما، بل في قدرته على أن يجعل كلمته نصيرًا للإنسان، لا مبررًا للبطش به.

الأكثر قراءة

z