"استثمر في عُمان".. ماذا يسبق قرار المستثمر؟ (1- 2)

 

 

 

ناجي بن جمعة البلوشي

عندما تُطرح فرصة استثمارية في أي منصة خاصة بجهة حكومية ما، تبدو لي متناثرة وغير عملية؛ بل وتستدعي من المستثمر نفسه البحث بين تلك المنصات وأسمائها وعناوينها أولًا، ثم البحث عن الفرصة الاستثمارية، وهنا نركز على ما يدور في رأس المستثمر وليس في وجودها متناثرة أو متواجدة في منصة واحدة، فلكل صاحب شأن غاية.

ولأننا نريد أن نخص بالذكر هنا فقط منصة "استثمر في عُمان"؛ فسؤالنا: هل نحن فعلًا عندما نطرح فرصة استثمارية نطلب من المستثمر أن يتخذ قرارًا في الاستثمار فيها أما اننا نضعها لتبدو منصتنا كاملة وبها من الفرص ما يكفي؟

هذا السؤال يأتي لأن قرارًا أهم كان يجب علينا ان نقرره قبل أن نتخذ الاجراء المُتَّبع في وضع فرصة استثمارية على واجهة من أهم واجهات الترويج للاستثمار، وربما هي الأهم على الإطلاق، كأن نسأل أنفسنا هل هذه فرصة تستحق أن نضعها أمام المستثمر؟ هذا السؤال لا ينبغي أن يكون مبنيًا على الرغبة في زيادة عدد المشاريع المُعلنة، وإنما على تحليل عميق للسوق والمنافسين وسلسلة الإمداد والتكاليف والمخاطر والعائد المتوقع. فإذا اجتازت الفرصة هذا الاختبار، تُصبح عملية الترويج لها أكثر قوة؛ لأنَّ الدولة لا تبيع فكرة، وإنما تقدم للمستثمر نموذجًا اقتصاديًا له منطق واضح. وإذا لم تجتز الاختبار، فإن إعادة تصميمها قبل طرحها ليست تراجعًا عن الطموح، بل حماية له.

عُمان لا تحتاج إلى أن تكون الصين أو الهند، وهذه ربما أهم نقطة في كل ما نتحدث عنه دائمًا؛ فليس مطلوبًا من عُمان أن تتحول إلى الصين حتى تنجح صناعيًا بوجود كم هائل من المصانع التي شغلت الأرض وحصلت على الحوافز وفازت بعقود توريد حكومية، دون أن ننافس الصين في شيء، سوى أننا لم نعد نستورد منها. والمطلوب هو أن تعرف عُمان بدقة أين تكمن قيمتها الخاصة في الصناعة، وفي قدرتها على أن تكون منصة إقليمية لصناعة محددة، لتصبح- عندئذٍ- الفرصة الاستثمارية أكثر من مجرد مصنع على أرض صناعية؛ بل ولتصبح الفرصة جزءًا من استراتيجية صناعية اقتصادية.

الاستثمار الناجح لا يبدأ عندما يوقع المستثمر العقد، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ عندما تُصاغ الفرصة بطريقة تجعل قرار الاستثمار منطقيًا. ولذلك فإنَّ جودة الفرص الاستثمارية التي تطرحها الدول تعكس، في جانب منها، جودة التفكير الذي سبق طرحها. وقد لا يكون السؤال الأهم هو: كم فرصة تستطيع عُمان أن تعرضها على المستثمرين؟ وإنما كم فرصة تستطيع أن تصمد أمام الأسئلة التي سيطرحها المستثمر عندما يقارنها ببدائلها في الصين والهند وغيرها؟!

إن صناعة الإطارات، والثلاجات، والمكيفات، وغيرها من الصناعات، ليست مجرد منتجات يمكن نقل خطوط إنتاجها من دولة إلى أخرى. ثم تتكلف الميزانية العامة للدولة ثقل التعاقد مع مشترياتها بكل ما بها من سلبيات وضعف جودة وقلة كفاءة؛ بل إنها منظومات من الأسواق والمدخلات والتكنولوجيا والعمالة واللوجستيات ورأس المال. ومن ينجح في بناء المنظومة، لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون الضامن للمشتريات؛ بل أن يكون الأكثر منطقية للمستثمر في الاستثمار بالسوق التي يستهدفها.

وهنا ربما كان لا بُد من وجود إحدى أهم فرص السياسة الاستثمارية في عُمان: وهي ليس في البحث عن مشاريع يمكن تنفيذها فحسب، وإنما في البحث عن آلية بناء منظومة التصنيع في عُمان لمشاريع يمكن أن تربح وتستمر وتنمو بعد أن تنتهي مرحلة الاحتفاء بإعلانها.

المعيار الحقيقي لنجاح الفرصة الاستثمارية ليس لحظة الإعلان عنها، ولا لحظة توقيع اتفاقيتها المنشورة ونشرها عبر وسائل الإعلام، وإنما السنوات التي تأتي بعدها وتكمن في زيادة الإنتاج والتوسع والمنافسة العالمية ونمو الأرباح وزيادة توليد فرص العمل وتنويع الاستمارات وخطوط الإنتاج. وهذا ما لا نجده حاضرًا في أسواقنا أو في مؤشرات السوق أو البورصة أو غيرها من المؤشرات التي لا تُصاغ بدرجة كافية من الوضوح في وسائل الإعلام.

هنا نحن لا نختلف في أن تبدأ كثير من المشاريع الاستثمارية بفكرة منطقية وبسيطة، كأن نقول إن هناك منتجًا يحتاجه السوق، وهناك أرض متاحة، وطاقة وموانئ وطرق وبنية أساسية متطورة، وحوافز يمكن أن تساعد المستثمر.. فلماذا لا نُنتج هذا المنتج محليًا؟!

يُتبع...

الأكثر قراءة

z