حمود بن علي الطوقي
وأنا أقرأ الكلمات السامية التي سطّرها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- خلال زيارته الأخيرة للمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، استوقفتني مشاعر الاعتزاز بما تحقق على أرضها، والتقدير لكل من أسهم في بنائها وتنميتها. كلمات تمنح العاملين والمستثمرين وأهالي المحافظة حافزًا لمواصلة العطاء، وتؤكد مكانة هذه المنطقة في مستقبل عُمان الاقتصادي، بوصفها، كما وصفها جلالته: «رافدًا أصيلًا للاقتصاد الوطني، وآفاقًا رحبة لمستقبل عُمان».
وقد جاءت زيارة جلالته في الثالث والعشرين من سبتمبر الجاري للوقوف على المشروعات الاقتصادية والاستثمارية والتنموية، وما تشهده المنطقة من توسع، مصحوبة بتوجيهات سامية لمواصلة استثمار مقوماتها وتعظيم الاستفادة من موقعها الاستراتيجي. وهي متابعة تعكس ما تحظى به الدقم من اهتمام في مسيرة بناء اقتصاد متنوع، قادر على استقطاب الاستثمار والمنافسة في الأسواق العالمية.
أعادتني هذه الزيارة إلى لقاء أبوي كريم مع المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد- طيّب الله ثراه- جمع فيه عددًا من الصحفيين والإعلاميين، وقد تشرفت بأن أكون ضمن الحاضرين. ولا يزال حديث جلالته عن الدقم حاضرًا في ذاكرتي؛ حديثًا عن أهميتها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي، وما يمكن أن تنهض به من أدوار في خدمة التنمية ومستقبل الوطن.
وفي ذلك اللقاء، وجّه جلالته الصحفيين والإعلاميين الحاضرين إلى زيارة الدقم، والوقوف عن قرب على الجهود التي تبذلها الحكومة لتطويرها، وإعدادها لتكون وجهة اقتصادية واستثمارية رائدة. وأستحضر اليوم ذلك التوجيه بوصفه رسالة إلى الإعلام أيضًا؛ فالمشروع الوطني الكبير يستحق أن نقترب منه، وأن نفهم تفاصيله، وأن ننقل للناس ما يجري على أرضه وما يحمله من فرص.
وحين أربط بين ذلك اللقاء والزيارة السامية الأخيرة، أرى مسيرة وطنية تتواصل فيها الرؤية والعمل. فقد وضع السلطان قابوس، طيّب الله ثراه، أسس التحول الكبير، وتمضي الدقم اليوم في عهد السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله ورعاه، إلى آفاق أوسع من الاستثمار والإنتاج والتكامل الاقتصادي. وبين البدايات وما نشهده اليوم سنوات من التخطيط والبناء، وجهود مؤسسات وكفاءات وطنية وشراكات استثمارية أسهمت في تحويل الطموح إلى واقع.
ويشكّل الموقع الاستراتيجي للدقم إحدى أهم ركائز جاذبيتها الاقتصادية؛ إذ تطل على بحر العرب، وتنفتح على المحيط الهندي بالقرب من مسارات الملاحة الدولية، وخارج مضيق هرمز، بما يمنحها ميزة في الوصول إلى أسواق آسيا وأفريقيا وربطها بأسواق الخليج. ومع تكامل الميناء والمرافق الصناعية والخدمات اللوجستية، تتعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات وتسهيل حركة التجارة والتصدير. وهو ما يعكس بُعد النظر في اختيار الدقم لتكون بوابة اقتصادية لعُمان، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر مستدام للفرص والنمو.
وللدقم حضور دائم في مقالاتي؛ فقد كتبت عنها سلسلة من المقالات استلهمتها من زياراتي المتكررة، ومتابعتي لما تشهده من تحولات ومشروعات تعزز الثقة بمستقبلها. وتواصل الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة جهودها لتوجيه أنظار المستثمرين إلى هذه المنطقة وتسويق مقوماتها دوليًا، بما تمتلكه من موقع وبنية أساسية وتكامل صناعي ولوجستي يؤهلها لاستقطاب الاستثمارات العملاقة.
وفي تقديري، أن الأزمة الأخيرة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة الملاحة كشفت عن قيمة إضافية لموقع الدقم خارج المضيق، وانفتاحها المباشر على بحر العرب والمحيط الهندي. وهي ميزة تُعزز أهميتها أمام الدول والشركات الباحثة عن تنويع مسارات التجارة والإمداد، وتؤكد بُعد النظر في الرؤية العُمانية التي راهنت مبكرًا على هذا الموقع ودوره في الاقتصاد العالمي.
وتمنح المشروعات الكبرى في الدقم هذه الرؤية ملامحها العملية؛ فميناء الدقم يهيئ بوابة للتجارة والخدمات اللوجستية، والحوض الجاف يضيف نشاطًا متخصصًا في إصلاح السفن وصيانتها، فيما تمثل المصفاة ركيزة صناعية مهمة. وتبرز أهمية اجتماع هذه الأنشطة في مكان واحد في قدرتها على توليد أعمال وخدمات متصلة، من النقل والتخزين إلى الصيانة والتوريد والصناعات المساندة.
وتكشف الأرقام المعلنة بالتزامن مع الزيارة جانبًا من حجم التحول؛ إذ بلغ الاستثمار التراكمي الملتزم به في المنطقة بنهاية يونيو 2026 نحو 8.818 مليار ريال عُماني، فيما ارتفعت الطاقة الإنتاجية لمصفاة الدقم إلى 255 ألف برميل يوميًا، وأنجز الحوض الجاف نحو 1340 مشروعًا منذ عام 2020 حتى نهاية عام 2025. وهذه مؤشرات تدعونا إلى متابعة أثرها في تنويع الدخل، وتوطين الخبرات، وتوسيع فرص المؤسسات العُمانية.
أما المرحلة المقبلة، فتفتح أمام الدقم مجالات صناعية جديدة. فقد أُعلن في يونيو الماضي عن عشر اتفاقيات استثمارية ومذكرات تعاون بقيمة تقارب 2.9 مليار ريال عُماني، شملت مشروعات للهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، وتوليد الكهرباء، وتصنيع مواد تدخل في بطاريات المركبات الكهربائية، إلى جانب مشروعات صناعية وسكنية وسياحية. وهذه مشروعات تتفاوت مراحل تنفيذها، لكن تنوعها يوضح اتجاه المنطقة نحو استقطاب أنشطة ترتبط بتحولات الطاقة والصناعة عالميًا.
إن نجاح الدقم في مرحلتها القادمة سيقترن بقدرتها على توسيع استفادة الإنسان العُماني من هذا الحراك. فكل مشروع كبير ينبغي أن يفتح حوله فرصًا للتدريب والتأهيل والتوظيف، وأن يتيح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة حضورًا في سلاسل التوريد والخدمات. ومن المهم أن يجد شباب الدقم ومحافظة الوسطى، ومعهم شباب عُمان، مسارات واضحة لاكتساب المهارات التي تحتاج إليها هذه الصناعات، وأن يكونوا شركاء في تشغيلها وتطويرها.
كما أن المنطقة الاقتصادية المتكاملة تحتاج إلى حياة متكاملة؛ إلى تعليم وصحة وسكن وخدمات ومرافق ثقافية وترفيهية تساعد الأسر على الاستقرار. فالمستثمر يبحث عن بيئة أعمال كفؤة، والعامل يبحث كذلك عن مدينة يستطيع أن يبني فيها مستقبله. ومن هنا، فإن جودة الحياة جزء أساسي من تنافسية الدقم وقدرتها على الاحتفاظ بالكفاءات وجذب المزيد منها.
وأجد في هذه المناسبة فرصة لتجديد مسؤولية الإعلام تجاه الدقم، مستحضرًا التوجيه الأبوي للسلطان قابوس، طيّب الله ثراه. نحن مدعوون إلى زيارات ميدانية، وحوارات مع العاملين والمستثمرين وأصحاب المؤسسات، وإلى تقديم قصص تشرح للنَّاس كيف تُبنى هذه المشروعات، وما الفرص التي تتيحها، وما التحديات التي تحتاج إلى معالجة. فالإعلام شريك في تعميق المعرفة بالمشروع الوطني، وفي طرح الأسئلة التي تساعد على تطويره، وإيصال فرصه إلى الشباب ورواد الأعمال والمستثمرين.
لقد أعادت الإشادة السامية بالدقم إلى ذاكرتي حديثًا كريمًا سمعته عن مستقبل هذه الأرض، وأتاحت لي أن أتأمل ما قطعته من مسافة. وبين رؤية السلطان قابوس وثقة السلطان هيثم تتجدد مسؤولية الجميع في مواصلة البناء، حتى يجد المواطن أثر هذه الاستثمارات في عمله وحياته ومستقبل أبنائه، وتواصل الدقم ترسيخ مكانتها وجهة اقتصادية رائدة تليق بطموح عُمان.
