الاتفاقيات الدولية المُلزمة وحقوق الأطراف الأخرى

 

 

 

شيخة المشايخية

 

لا خلاف على أهمية الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق العمال، ولا سيما العمال الوافدين، وما تتضمنه من أحكام ومبادئ تهدف إلى ضمان المعاملة المنصفة، وحفظ الكرامة والحقوق، والحد من الاستغلال والتمييز.

وفي المقابل، فإن حماية حقوق العامل الوافد لا تعني إغفال الحقوق والالتزامات الأخرى التي تنشأ خلال فترة وجوده وعمله في البلاد؛ فالتشريعات الوطنية والإجراءات التنظيمية تستطيع أن تحقق التوازن بين حماية العامل وحماية حقوق أصحاب العمل والمواطنين والمقيمين والمؤسسات وكل من تنشأ له حقوق موثقة.

العامل الوافد لا ترتبط حياته في البلاد بعلاقة العمل وحدها؛ فقد تكون لديه علاقة مصرفية، أو قرض أو تمويل، أو مركبة ممولة بأقساط، أو عقد إيجار، أو التزامات للكهرباء والمياه والخدمات، أو معاملات مالية وتجارية أخرى. وفي جميع هذه الحالات تنشأ حقوق والتزامات متبادلة لا ينبغي أن تضيع بمجرد مغادرة أحد أطرافها البلاد.

وفي الوقت نفسه، من حق العامل أن يحتفظ بجواز سفره ووثائقه، وألا يكون جواز السفر وسيلة لضمان بقائه أو الوفاء بالتزاماته. ومن هنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى إيجاد آلية تنظيمية بديلة عن الاحتفاظ بالجواز، تحقق حماية متوازنة لجميع الأطراف.

وأقترح استحداث منظومة موحدة لإجراءات ما قبل المغادرة للعامل الوافد الحاصل على تأشيرة عمل، بحيث يظل جواز سفره في حوزته، وفي الوقت نفسه ترتبط مغادرته باستكمال متطلبات واضحة ومحددة قبل السفر.

ولا يقتصر هذا المقترح على المغادرة النهائية، بل تشمل مغادرة العامل للبلاد ما دامت إقامته مرتبطة بتأشيرة عمل، مع اختلاف المتطلبات بحسب طبيعة السفر؛ فمتطلبات السفر في إجازة ليست بالضرورة هي متطلبات إنهاء العمل والمغادرة النهائية.

وتقوم الفكرة على الربط البيني بين الجهات والأنظمة ذات العلاقة، بحيث تظهر حالة المتطلبات المسجلة من مصادرها، دون استحداث دورة ورقية أو إلزام العامل بمراجعة جهات متعددة.

فصاحب العمل أو المنشأة يكون على علم بمغادرة العامل، وتظهر حالة العلاقة العمالية، كما يتم التحقق من الالتزامات المصرفية والتمويلية المسجلة، وتمويل المركبات، والإيجارات، والكهرباء والمياه والخدمات، وغيرها من الالتزامات التي يحددها النظام.

وإذا كانت هناك التزامات قائمة، وأبدى صاحب العمل استعداده لتحملها بما يسمح به القانون والنظام المقترح، فيمكن تسجيل تعهد واضح بتحمل الالتزامات المحددة، بحيث تكون المسؤولية معلومة وموثقة ولا تضيع حقوق الأطراف الأخرى بسبب سفر العامل.

أما عند انتهاء علاقة العمل والمغادرة النهائية، فتكون متطلبات التسوية أشمل بما يتناسب مع إنهاء إقامة العامل والتزاماته المرتبطة بفترة وجوده في البلاد.

وبذلك لا نفاجأ بأن عاملًا غادر البلاد بينما صاحب العمل الذي استقدمه لا يعلم بمغادرته، أو أن بنكًا أو شركة تمويل أو مؤجرًا أو جهة خدمية لديها التزامات قائمة لم تعلم إلا لاحقًا أن صاحب العلاقة أصبح خارج البلاد.

هذه المنظومة المقترحة لا تعني منح صاحب العمل أو البنك أو شركة التمويل أو المؤجر سلطة منفردة في تقرير سفر العامل، كما أنها لا تعني العودة إلى الاحتفاظ بجواز السفر؛ بل تقوم على مسار مؤسسي موحد تحدد فيه القواعد مسبقًا: ما المتطلبات الواجب استيفاؤها؟ وما الحالات التي يمكن فيها تقديم تعهد؟ وما مسؤولية كل جهة؟ ومتى يصبح إجراء السفر مستوفيًا؟

فإذا استوفيت المتطلبات، تتم إجراءات السفر بصورة طبيعية. وإذا ظهر متطلب غير مكتمل، تتوقف عملية التخليص عنده إلى حين تسويته أو استكمال الإجراء المقرر بشأنه، ثم يستأنف المسار.

أما الحالات التي تتعلق بجناية أو قضية منظورة أمام المحكمة أو أمر قضائي قائم؛ فهي بطبيعتها مختلفة، وتبقى خاضعة للإجراءات القانونية المقررة لدى الجهات المختصة.

الغاية ليست التضييق على العامل الوافد، بل إيجاد بديل تنظيمي حديث يحفظ حريته وحقوقه، وفي الوقت نفسه يحفظ حقوق الآخرين؛ فالعامل يعرف قبل سفره حالة متطلباته، وصاحب العمل يعلم بمغادرة العامل الذي استقدمه، والجهات التي لها حقوق موثقة لا تفاجأ بعد السفر بأن صاحب الالتزام غادر البلاد دون وجود مسار واضح لمعالجة تلك الحقوق.

وهنا تتحقق المعادلة التي نبحث عنها: يبقى جواز السفر في يد العامل، وتبقى حقوقه مصونة، وفي المقابل لا تكون حيازته لجوازه طريقًا لمغادرة مفاجئة تترك وراءها التزامات وحقوقًا معلقة.

فالاتفاقيات الدولية التي تحمي حقوق العمال الوافدين، والنظام الإجرائي الداخلي الذي يحفظ حقوق الأطراف الأخرى، ليسا مسارين متعارضين؛ بل يمكن أن يسيرا بصورة متوازية ومتكاملة.

فالعدالة لا تكتمل بحماية حق طرف وإغفال حق طرف آخر، وإنما تكتمل عندما توجد منظومة واضحة تحمي العامل الوافد، وتحفظ في الوقت نفسه حقوق صاحب العمل والمواطن والمقيم والبنك وشركة التمويل والمؤجر والمؤسسات والأفراد.

حقوق العامل الوافد مصونة، وحقوق الأطراف الأخرى مصونة أيضًا، وبينهما يمكن أن يقوم نظام إجرائي حديث وواضح يحقق التوازن دون تعقيد ودون انتقاص من حقوق أي طرف.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z