المتوسط الذي استفز الرأي العام!

 

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

كانت ردود فعل الرأي العام العُماني في الأسبوع الماضي استثنائية وقوية ورافضة لمتوسط دخل الأسرة العُمانية الذي تحدَّد بملغ وقدره بـ1839 ريالًا عُمانيًا شهريًا بمتوسط عدد أفراد الأسرة 7 أشخاص؛ بحيث يكون متوسط دخل الفرد الواحد من الأسرة المكونة من سبعة أشخاص 263 ريالًا عُمانيًا، وهذا الرقم الأخير قد يكون مقبولًا أكثر لو تم تقديمه بتلك الطريقة التي هي في واقع الأمر توصل إلى نفس النتيجة وتخفض مستوى التصعيد والإثارة.

وطوال أيام الأسبوع الماضي كان حديث الشارع العُماني الرافض لتلك الخُلاصات التي نشرها المركز الوطني للإحصاء والمعلومات والذي كشف عن متوسط دخل الأسرة العُمانية؛ وذلك عن طريق مسح إحصائي أُجري بالذكاء الاصطناعي؛ وعلى الرغم أن المسؤولين جميعًا الذين أشرفوا على الدراسة قد قدموا إيجازًا لوسائل الإعلام حول تلك النتائج التي أغضبت الناس؛ إلا إنها فُهمت من العامة وكأنها أتت لتقول للحكومة بأن المواطن العُماني يعيش في بحبوحة ورفاهية واستقرار اقتصادي، وكأنه لا توجد أسر فقيرة ذات دخل محدود ولا حتى عاطلين عن العمل من مخرجات الجامعات والذين يقدرون بعشرات الآلاف؛ وبالتالي لا يحتاج الشعب العُماني لمزيد من الإنفاق ورفع مستوى المعيشة. كما إن إدخال واحتساب البيت الذي اقترض له المواطن من البنوك باعتبار ذلك دخلًا يُضاف إلى سلة المبالغ التي يجنيها المواطن، قد خلط جميع نتائج الدراسة وجعلها غير مقبولة لا من الناحية العلمية أو حتى العرفية. كل ذلك في اعتقادي هو سبب الجدل الحاد بين مروجي الدراسة من جانب والمجتمع العُماني من جانب آخر، الذي عبّر عنه كُتَّاب الصحف وروَّاد وسائل التواصل الاجتماعي الذين تصدرت كتاباتهم كل المنصات تحت عناوين بارزة ومعبرة عن نبض الوطن والمواطن مثل المقال الموسوم "1839 على كوكب زحل" للكاتبة أنيسة الهوتي؛ ومقال آخر للإعلامية مدرين المكتومية بعنوان لافت "لا تستفزوا المواطن!".

لا شك أن دراسة واحدة من توليد الذكاء الاصطناعي لا يمكن التسليم بنتائجها على الإطلاق حتى ولو طبقتها أعرق الجامعات في العالم، والعجب هنا أن تكون تلك العينة التي قوامها أكثر من 21 ألف مفردة تمثل أكثر من 400 ألف أسرة عُمانية ووافدة حسب تعداد 2020. لذا يبدو لي أننا نحتاج إلى أكثر من دراسة لكي تساعد المسؤولين الذين يخططون ويضعون الموازنات لمستقبل الوطن، بالطبع هذا لا يقلل من صحة هذه الدراسة التي استخدمت خوارزميات الذكاء الاصطناعي؛ وهي الدراسة الأولى من نوعها التي استخدمت هذه التقنية على مستوى العالم؛ إذ تم إنجازها في ساعة عمل واحدة؛ وبعدد قليل من الباحثين الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، حسب تصريح المسؤولين بالمركز.

نحن لا نشكك بتلك الدراسة أو غيرها من الدراسات لكونها اعتمدت على معايير يعترف بها أهل الاختصاص؛ ولكن ندعو في نفس الوقت أن تتوفر للمركز الذي نفذ هذه الدراسة الإمكانيات من الكوادر وكذلك الموازنات لكي يقود البحث العلمي الرصين والمفيد للمجتمع وقبل ذلك أن تلامس دراساته الواقع؛ وذلك من خلال النزول إلى الميدان والاطلاع عن قرب إلى السجلات والملفات الإلكترونية منها والورقية التي تتضمن الرواتب والأنشطة التجارية والمصادر المالية المختلفة التي لها علاقة بدخل الأسرة وعدم التسرع بالوصول إلى الخلاصات العلمية والنتائج البحثية التي عادة لا يتقبلها المجتمع؛ بل يجب الارتقاء بالبحوث؛ بحيث تعكس وتُعبِّر عن الواقع الصحيح لأحوال الناس وظروفهم المعيشية؛ لأن هناك احتمالية الخطأ في الدراسات الإنسانية.

وقد تكون المشكلة هنا في العينة التي تم اختيارها، خاصة إذا لم تكن عشوائية؛ ربما هي عينة استهدفت بشكل خاص جزءا كبيرا من أصحاب الدخول المرتفعة من المسؤولين والتجار من عِلية القوم لكون هؤلاء من السهل الوصول إليهم وإلى المصادر التي يحصلون منها على الأموال. أما على الجانب الآخر، هناك من الأسر العُمانية التي من الصعوبة بمكان التعرف على دخلهم الحقيقي، خاصة الصيادون والمزارعون ومربو الثروة الحيوانية، في جبال ظفار وسهولها وكذلك القاطنون في الصحاري والبادية العُمانية من البدو الذين لا يعمل بعض منهم في القطاعات العامة أو الخاصة.

ويمكن هنا الاستدلال بتقديرات صندوق النقد الدولي التي تقدر متوسط الدخل السنوي للفرد في سلطنة عُمان للعام الماضي 2025 والتي بلغت أكثر من 20 ألف دولار أمريكي؛ بينما يبلغ حساب الدخل الشهري للمواطن العُماني بـ641 ريالًا عُمانيًا فقط؛ وبذلك يكون العُماني الأقل دخلًا بين دول مجلس التعاون الخليجي حسب المصادر الدولية، كما أن متوسط دخل الأسرة العُمانية قائم على وجود موظفيْن اثنيْن مثل الزوج والزوجة لكل أسرة؛ فإذا جمعنا متوسط رواتبهم يكون متوسط الدخل 1282 ريالًا عُمانيًا فقط.

وفي الختام.. هناك من يحذر من الوقوع في فخ استخدام الذكاء الاصطناعي في إجراء البحوث العلمية؛ فمن أبرز السلبيات في هذا المجال الذي يخطو خطواته الأولى هو الجنوح إلى التحليلات الإحصائية السطحية التي لا ترتقي إلى معايير البحث العلمي والعمق المطلوب في الدراسات الأكاديمية، والانتحال وتوليد معلومات مغلوطة. وعليه رسالتي لصُنَّاع القرار في هذا البلد العزيز؛ بالاعتماد على جامعة السلطان قابوس بكلياتها التسع ومراكزها البحثية المتعددة؛ لكونها بيت خبرة معتمد منذ عقود؛ وذلك لإجراء الدراسات الاستراتيجية الرصينة خاصة في الكشف عن القضايا الكبرى التي لها علاقة بمستقبل المواطن ومصدر رزقه؛ لتقديم ذخيرة حية من المعلومات الدقيقة التي تساعد على تفكيك التحديات وتعمل على توفير الوقت وتقليل التكلفة المتعلقة بالمشاريع التنموية الكبرى.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z