رقية بنت علي المعمري
قد لا تكون المشكلة دائمًا في أننا لا نرى الخطر، بل في أننا نراه يتشكل أمامنا ببطء، فنعتاد عليه حتى يصبح جزءا من حياتنا. نتأقلم مع ما يؤذينا، ونؤجل قرار الخروج، ونقنع أنفسنا بأننا ما زلنا قادرين على الاحتمال، إلى أن يأتي وقت يصبح فيه البقاء أكثر كلفة من التغيير. وربما لهذا السبب ظلت قصة "الضفدع المغلي" حاضرة بوصفها صورة رمزية لافتة لما قد يفعله الاعتياد بالإنسان حين يطيل البقاء في واقع لم يعد صالحا له.
تروي القصة الرمزية المعروفة بـ"متلازمة الضفدع المغلي" أن ضفدعًا وُضِع في وعاء مكشوف مملوء بالماء على نار هادئة، وبينما بدأت درجة الحرارة بالارتفاع تدريجيًا، بقي الضفدع ساكنًا، مطمئنًا إلى قدرته الفطرية على التكيف مع درجة حرارة الماء، مستخدمًا ما يملك من طاقة ليتأقلم مع محيطه. ومع كل محاولة جديدة للتأقلم، كان يستنزف جزءًا آخر من قدرته على النجاة، حتى اشتدت حرارة الماء وبلغت حد الغليان، بما كان كفيلًا بالقضاء عليه. وحينها لم يكن الماء المغلي وحده سبب نهايته، بل إصراره على البقاء في الإناء وعدم القفز منه في الوقت المناسب.
وعلى نحو يُشبه ما ترمُز له القصة، يميل الإنسان في العموم إلى البقاء في المألوف، ويفضل الاستقرار على خوض مغامرة التغيير بما تحمله من قلق وجهد ونتائج غير مضمونة. ولا عجب أن العقل البشري قد يناضل من أجل البقاء في المألوف المؤلم بدلًا من مواجهة مصير جديد وغامض، حتى يصل الإنسان إلى مرحلة يتشبث فيها بالأذى؛ لا لأنه يريده، وإنما لأنه يعرفه.
المعاناة التي تتكرر قد تتحول مع الوقت إلى قيد لا نشعر بثقله؛ لأننا اعتدناه، وتعلمنا مع تكراره كيف نتكيف معه، لينتهي بنا المطاف إلى تطوير آليات للبقاء داخله، بدلًا من البحث عن طريق للخروج منه.
ولعل المثل الشعبي "عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة" يُجسِّد هذه العقلية التي تفضّل المضمون المتاح، وإن كان زهيدا، على فرصة أكبر تحفها المخاطر؛ فالعقل البشري يميل بطبيعته إلى حماية صاحبه وإبقائه ضمن نطاق يشعر فيه بالأمان والاطمئنان، ويدفعه إلى التمسك بمنطقة الراحة.
غير أن هذا التمسك بالمألوف لا يكون دائما خيارا واعيا، بل قد يتحول إلى ما يعرف في علم النفس بـ"المقاومة"، وهي معارضة داخلية للتغيير تنبع من عوامل عدة، وتحول دون إدخال أي تعديل على الوضع القائم أو الانخراط في أنماط حياة جديدة؛ فالمقاومة ليست رفضًا للتغيير في حد ذاته بقدر ما هي رد فعل نفسي وعاطفي يظهر عندما يشعر الفرد بالتهديد أو التوتر أمام المجهول، فيميل إلى التمسك بالحالة القديمة والاحتماء بمنطقة الراحة، حتى وإن لم تعد صالحة للاستمرار.
وعلى الرغم من أن مكوث الضفدع في المياه الدافئة أبقاه لبعض الوقت في منطقة آمنة، فآثر الراحة والسكينة ونأى بنفسه عن قلق القفز وجهده، فإنه في المقابل حرم نفسه من خوض تجارب جديدة، وقيد نفسه في إطار ضيق يمنعه من استكشاف طرق أخرى وتحقيق إمكاناته.
ولو أنه فكر للحظة في اتخاذ خطوة القفز، لربما زاد ذلك من عزمه وقدرته على مواجهة المجهول؛ لأنه ببساطة لم يكن أمام خيارين هما الراحة والألم، وإنما كان عليه الاختيار بين ألمين مختلفين: ألم الراحة التي تبقيه حيث هو دون تطور، وقد تقتله ببطء، وألم التغيير الذي يحمل جهدا مؤقتا، لكنه يفتح أبوابا لتجارب جديدة وآفاق أوسع.
وإذا كنا نجزم بأن الضفدع سيموت لا محالة في الماء المغلي، فقد كان أمامه أن يختار بين البقاء حتى النهاية المحتومة، أو القفز إلى المجهول بما يحمله من فرص وتجارب وآفاق جديدة.
وعلى الأغلب، لم يكن العائق الحقيقي هو التغيير نفسه، بل تلك الأفكار التي اعترت الضفدع حين حدّث نفسه قائلا: "يمكنني أن أحتمل أكثر في سبيل البقاء في هذا الوعاء الجميل؛ لأنني قد لا أجد وعاء أجمل، أو ربما سأقفز عند طلوع الشمس، حيث يمكنني رؤية كل ما حولي". لكنها في النهاية أفكار لا ترقى إلى أن تكون حقائق ثابتة، بل افتراضات قابلة للمراجعة.
إنها بضعة اختيارات فاصلة بين الفرد وتحوله إلى ذلك الضفدع؛ الضفدع الذي لم يقفز من الإناء. اختيارات تبدو صغيرة في لحظتها، لكنها تراكمية الأثر: كاختياره البقاء في وظيفة مرهقة لأن الراتب ثابت، أو الاستمرار في علاقة مستنزفة لأن الانفصال مؤلم، أو التعايش مع ضغط نفسي، أو الحفاظ على عادات مؤذية خشية البدء من جديد.
وليس ذلك جهلًا منه بالأذى الناجم عنها، وإنما لأنه أقنع نفسه في كل مرة بأن وقت القفز لم يحن بعد.
ربما لا تكمن المشكلة في قدرتنا على الاحتمال، بل في أننا نعتاد ما نعيشه حتى يصعب علينا اتخاذ قرار الخروج منه. نظل نؤجل الخطوة مرة بعد أخرى، معتقدين أن الوقت ما زال يسمح بالمزيد. لكن إلى متى؟ وما درجة الحرارة التي تدرك عندها أن القفز أصبح ضرورة حتمية للنجاة، لو كنت أنت الضفدع الذي لم يقفز من الإناء؟
