ريم الحامدية
أحيانًا، لا يكون أكثر الناس صمتًا هم الأقل كلامًا؛ بل أولئك الذين امتلأت أرواحهم بأشياء لا تعرف اللغة طريقًا إليها.
نمضي في الحياة بوجوهٍ كثيرة، حتى نكاد ننسى أيّها يشبهنا فعلًا.
في الصباح نرتدي وجهًا يعرف كيف يبدأ يومه، وفي العمل وجهًا يعرف كيف يُنجز، وبين الناس وجهًا يعرف متى يبتسم ومتى يصمت ومتى يقول "كل شيء بخير"، نؤدي أدوارنا ببراعةٍ تكفي لأن يصدق الجميع أننا بخير، وربما نصدق نحن ذلك لبعض الوقت أيضًا.
ثم ينتهي اليوم، يهدأ كل شيء، تخفت الأصوات، تُغلق الأبواب، وتبقى وحدك مع النسخة التي لم يكن لها مكان طوال النهار، هناك، لا أحد ينتظر منك ابتسامة، لا أحد يسألك لماذا تغير مزاجك، ولا لماذا طال صمتك، ولا لماذا أصبحت أقل حماسًا تجاه الأشياء التي كنت تحبها. لا تحتاج إلى أن تبدو قويًا، ولا إلى أن تشرح أنك متعب، ولا إلى أن تقنع أحدًا بأنك تستطيع الاستمرار.
هناك فقط أنت، بكل ما أخفيته خلف يومك الطويل، ربما يجلس الإنسان أحيانًا في غرفته، لا يريد شيئًا محددًا، ولا يعرف حتى ما الذي أثقله، لكنه يشعر أن في داخله ضجيجًا لا يليق بهذا الهدوء. يستعيد كلمة قيلت له منذ أيام، نظرة لم يفهمها، موقفًا تجاوزه أمام الآخرين ثم عاد إليه وحده، حلمًا يؤجله منذ زمن، وشخصًا يفتقده ولا يعرف إن كان الاشتياق سببًا كافيًا للعودة.
ولا أحد يعرف، وهذه هي المفارقة الغريبة فينا؛ أننا نعيش قريبين جدًا من بعضنا، ومع ذلك يحمل كل واحد منا غرفةً داخلية لا يملك الآخرون مفتاحها.
نعرف من حولنا بقدر ما يسمحون لنا أن نعرفهم فقط، نعرف ضحكتهم، مواعيدهم، عاداتهم، نجاحاتهم، وربما حتى أحلامهم التي اختاروا أن يرووها لنا. لكننا لا نعرف عدد المرات التي اضطروا فيها إلى جمع أنفسهم قبل أن يفتحوا الباب، ولا كم مرة قالوا أنا بخير لأن الحقيقة كانت أطول من أن تُروى.
لذلك، ربما علينا أن نتوقف قليلًا عن الحُكم على الناس من نسختهم الظاهرة، ليس كل صمت جفاءً، وليس كل ابتعاد تغيّرًا، وليس كل انشغال تجاهلًا. أحيانًا يحتاج الإنسان إلى أن ينسحب قليلًا من العالم حتى يسمع نفسه، بعد أن قضى وقتًا طويلًا وهو يستمع للجميع.
وأحيانًا لا يحتاج منك شيئًا سوى أن تترك له مساحة، أن يكون عاديًا دون أن يشرح، أن يتعب دون أن يشعر بالذنب، أن يصمت دون أن يُتهم بالبرود، أن يتغير دون أن يُذكّر كل مرة بأنه لم يعد كما كان، فلا أحد يبقى كما كان.
نحن نكبر من الداخل بطرق لا يلاحظها أحد، نخسر أشياء ونكسب أشياء، نتعلم متأخرين، ونفهم بعض الحكايات بعد أن تنتهي. تتبدل أولوياتنا، تخف أصوات كانت عالية في داخلنا، وتظهر أصوات أخرى لم نكن نسمعها من قبل.
ولهذا، لا تسأل الإنسان دائمًا: "إيش فيك؟" ربما لا يعرف، ولا تطلب منه أن يعود كما كان، ربما النسخة القديمة منه كانت تفعل كل ما تستطيع كي تصل إلى هذه النسخة.
وإذا صادفت يومًا شخصًا يبدو بخير أكثر مما ينبغي، فلا تنخدع تمامًا. قد تكون أمام أكثر نسخه ترتيبًا، بينما في مكان لا يراه أحد، هناك إنسان آخر يجلس بهدوء، يفك أزرار يومه واحدًا واحدًا، ويستعيد نفسه؛ فليس كل ما نراه في الإنسان هو الإنسان. بعضه فقط... هو ما استطاع أن يتركه الضوء ظاهرًا.
