الدبلوماسية في زمن التحولات.. من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازن

 

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتغير فيه المواقف وفق تغير المصالح، لم تعد قوة الدبلوماسية تكمن في قدرتها على إدارة الأزمات فقط، وإنما تقاس بمدى قدرتها على منع الأزمات، وحماية المصالح، وصناعة مساحات التوافق والتوازن؛ حيث لا ينظر إلى الدول ذات التأثير الدبلوماسي على أنها تلك التي تعالج الأزمات وتنهي الصراعات وتوقف الحروب؛ فهذه مسلمات سياسية يمكن ممارستها من الجميع، ولا توجد أزمة بدون نهاية؛ فالأزمات تنتهي بتفاهمات سياسية واقتصادية تحقق مصالح الأطراف، أما الدبلوماسية الحقيقية؛ فهي تلك التي تمنع حدوث الأزمات وتجنب التصعيد ومنع الصراعات.

والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو كيف يمكن للدبلوماسية أن تلعب دورًا حقيقيًا في عالم مضطرب؛ حيث تتشابك المصالح وتتداخل المآرب السياسية والاقتصادية، وهنا لا بُد من النظر إلى مصدر الأزمات وسبب وصول الدول إلى مرحلة المواجهة، فالمصالح هي السبب الرئيسي لكل ذلك، وعندما نتحدث عن المصالح فنحن نشير إلى جميع أشكالها سواء اطماع سياسية توسعية، أم اهداف اقتصادية استراتيجية، أو حتى رغبات ثقافية واجتماعية خاصة بين الدول المتجاورة، لقد أصبحت إدارة الأزمات أكثر تعقيدًا فالمواقف المتزمتة واختلال موازين القوى باتت سببًا مباشرًا لذلك؛ حيث ترى الدول الكبرى أحقيتها في السيطرة على الوضع وفرض إرادتها على الدول، وهذا الأمر له نماذج تاريخية عديدة عبر التاريخ.

لا بُد أن تنتقل الدبلوماسية من رد الفعل إلى الاستباق قبل وقوع الأزمات؛ فالسياسة تقوم على مبدأ حسن إدارة المواقف والقيام بتحركات تسبق الدخول في الأزمة، يقول أنتونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة "من الأفضل منع الحريق بدلًا من مكافحته بعد أن يبدأ"، كما يقول "الدبلوماسية هي السبيل الوحيد للمضي قدمًا". وهذا المبدأ يجب أن يسود السياسة العامة للدول؛ حيث تكون كلفة الحرب أعلى من التنازلات عن الأطماع.

لقد أدرك الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت آيزنهاور ماذا ينتظر العالم عندما تحدث عن المجمع الصناعي العسكري، محذرًا العالم في ذلك الوقت من هذا الوحش القادم عندما قال "في مجالس الحكم، يجب أن نحذر من اكتساب المجمع الصناعي العسكري نفوذًا غير مبرر، سواء كان هذا النفوذ مطلوبًا أو غير مطلوب"، كما نبّه إلى أن الخلافات يجب أن تحل بالعقل والغايات النبيلة لا بالسلاح، وهذا الإدراك ينبع من أن هذه المؤسسات تعيش على إثارة الأزمات وإشعال الحروب وافتعال الصراعات حتى يظل هذا السوق رائجًا.

الدبلوماسية لا تعني إطفاء الأزمات السياسية ووقف الحروب فقط، بل تتعدى ذلك لتكون أداة لمنع حدوثها من خلال الحوار والوساطات والحياد الإيجابي وتبني مفاهيم السلام والتسامح والتعايش ونبذ العنف والتعصب والتطرف، ويجب على الدول أن تنتقل من مفهوم إدارة الأزمة إلى حماية المصالح، ففي ظل تعدد مراكز القوى فإن حماية المصالح الوطنية يمثل هذا البعد الاستراتيجي السياسي، فالحوار مع الأطراف المحيطة، وتبني مواقف إيجابية وبناء شراكات جديدة تفتح أفقا جديدا وتمنح بدائل متعددة وممكنات لحماية المصالح الوطنية وتجنيب الدول من الدخول في الصراعات السياسية وحدوث أزمات سياسية.

في عالم متعدد المحاور والرغبة لتكوين تحالفات واستقطابات يبرز السؤال الأهم وهو هل تستطيع الدول الحفاظ على استقلال قرارها؟ وهذا أمر تنبهت له بعض الدول، فسلب الإرادة السياسية يمثل نقطة نهاية للدول، لذلك عملت هذه الدول على تنويع العلاقات والشراكات بدل الارتهان لمحور واحد، كما يبرز الحياد الإيجابي كأهم أداة سياسية تضمن للدول الحفاظ على سيادتها ومنع الدول من التدخل في شؤونها، والحياد الإيجابي يعني عدم الانحياز إلى طرف من الأطراف، مع عدم الاكتفاء بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بل السعي بصورة فاعلة إلى منع التصعيد، وتشجيع الحوار، والوساطة، وإيجاد حلول سلمية، وهذا النهج الذي تبنته سلطنة عمان والذي جعلها دولة موثوقة وفاعلة.

إنَّ الدبلوماسية القادمة سوف يكون عنوانها النفوذ الناعم وصناعة السلام؛ حيث يدرك العالم أن المزيد من الأزمات والحروب لا تعني سوى سقوط العالم في يد المجمع الصناعي العسكري وتجار الأزمات ودول الأطماع والطموح السياسي المبالغ فيه، ولذلك تسعى الدول حاليًا إلى التحول لهذا النموذج الذي يؤمن بالدبلوماسية بدلًا من العنف، وللتحول إلى هذا النهج لا بُد من تمكين الأدوات السياسية التي تقود لعالم ينبذ العنف والصراعات مثل الوساطة والحوار والقوة الناعمة المتمثلة في الاقتصاد والثقافة والرياضة والإعلام وغيرها من المجالات التي تمنح الدول قوة تأثير وعوامل تمكين أفضل أثرًا من الحروب.

الأكثر قراءة

z