الهُوية العُمانية.. سموٌّ فوق المذهبية والطائفية والقبلية

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

الهُوية الوطنية العُمانية هي منظومة تتشكل من القيم والمبادئ والخصائص التاريخية والثقافية والاجتماعية التي تُعبّر عن انتماء العُمانيين إلى وطنهم، وتُشكّل شخصيتهم الوطنية المشتركة، وتُميّز تجربتهم الحضارية، وتربط ماضيهم بحاضرهم ومستقبل، هي ليست مجرد الانتماء إلى بقعة جغرافية، هي شعور بالمسؤولية ووعي والتزام بالقيم والمبادئ والعادات والأعراف التي شكلت هذه الهُوية، هي الذوبان في كل شيء والانصهار والتماهي في مكونات هذا الوطن.

الهُوية لا تُنازِع التنوع؛ بل تنظمه في إطار يتسع للجميع، هي نسيج يستمد جماله من تنوع ألوانه وخيوطه، هي فسيفساء ذات جمال أخاذ كلما تداخلت أشكاله زاد بهاؤه، هكذا هي الهُوية الوطنية العُمانية، التي تتجاوز المذهب والقبيلة والجهة والفئة، لما هو أبعد من ذلك بكثير، حيث تتكامل كل هذه المكونات وتنصهر في بوتقة الوطن الواحد، الذي يضع كل هذه المكونات في إطار واحد لا تنتمي إلا إليه.

لا شك أن الانتماءات التي تشكل الهُوية الوطنية هي جزء من تاريخ ممتد لا يمكن تجاهله، فهذا الإرث الذي يربط أجزاء المجتمع له فضل في تشكل العادات والتقاليد الاجتماعية، وهو سبب في ترابط مكونات المجتمع فالأسرة وهي اللبنة الأساسية للمجتمع هي ثمرة هذا التشكيل الاجتماعي، والقبيلة لها فضل كبير في توثيق عرى الارتباط بين الأرض كجغرافيا والإنسان كجزء منها، فهذا الكيان يحيط أفراده برباط اجتماعي يعمل على ترسيخ القيم والمبادئ والأخلاق والمثل، وهو تنظيم اجتماعي يقوم على قوانين خاصة به تمكن الفرد من أداء مسؤولياته وفق نظام وأعراف وتقاليد خاصة دائمًا ما ساهمت في تطور المجتمعات.

المذاهب لا ينبغي أن تكون لمحاولة إثبات الأفضلية، بل هي قناعات ترسخت لدى الأفراد وفق سياق زمني وتاريخي، ساهم في تشكيل هذه المعتقدات وترسيخها، ومقتضى الحال هو ما حدده الإسلام الذي جاء بالتسامح والتعايش كمنهج حياة ينبغي أن تسود في المجتمعات، وهذا أحد أسباب قوة المجتمع العُماني، الذي تسامى أبناؤه فوق دعوات التطرف والتحزب، وعاشوا مسلمين إخوانًا يجمعهم الانتماء للإسلام والوطن، ولذلك عندما قاوموا المحتل والغازي والمغتصب كان همهم تحرير الوطن والحفاظ عليه، ولذلك لم يعرف التاريخ دعوة مذهبية في هذا الوطن.

 

لقد عرِف العُماني أن أي دعوة سوى دعوة حب الوطن والانتماء إليه ما هي إلا دعوة ضالَّة تهدف إلى إفساد الفكر وإثارة النعرات الطائفية والعنصرية ونشر الفوضى في المجتمع، ولذلك انشغل عن هذه الدعوات وانصرف عنها بحكمته وفطنته وحسن أخلاقه، إلى ما هو أهم من ذلك حيث بناء الوطن وإعلاء رايته وكرامته، وفي الوقت الذي نرى فيه مجتمعات تنهار بسبب الطائفية والعنصرية نرى هذا الوطن المتماسك يسير نحو غاياته بتكاتف أبنائه وتعاضدهم وتعايشهم.

لقد ذاب الجميع في هذا الوطن الذي بني على فكر يقدر معنى التسامح والتعايش، وأسست هذه الدولة على منظومة من القوانين والتشريعات التي جعلت الجميع متساوين وفق نظام من العدالة والمساواة والعدل والكرامة. وربما يستغرب البعض كيف يمكن في ظل الفوضى التي يشهدها العالم والتطرف الفكري الذي ابتُليت به الأمة الإسلامية كيف يمكن لهذا النموذج الإسلامي العُماني أن يصمد وسط ذلك؟! والإجابة بسيطة جدًا لمن أراد أن يعرف فما عليه سوى زيارة هذه الأرض الطيبة ليدرك ألا حديث في مجالسنا عن المذهب والطائفة وغيرها، وإنما حديث حول الوطن وسبل رفعته وعلو مكانته.

لقد تأسس هذا الفكر بطريقة متقنة على مر الأجيال وعبر حقب التاريخ، ولا غرابة؛ فهذه الأمة دخلت الإسلام طواعية، واركعت قوى الاستعمار والظلم عبر تاريخها، وحررت البلاد والعباد من ظلمهم وجورهم بوحدة أبنائها تحت راية واحدة، ونشر أبناؤها الإسلام في بقاع الأرض وبقيت سيرتهم شاهدة على ذلك، فما تكاد تذكر عُمان إلا ذكرت بالتسامح والعدل والإحسان والتعايش، فقد أضحت هذه السمات مرتبطة بشكل وثيق بالشخصية العُمانية، وهذا ما يجعل المسؤولية عظيمة جدًا على الأجيال القادمة لكي تحافظ على هذا النهج الذي أسسه الآباء والأجداد، فكانت عُمان التي نراها اليوم.

وعلينا أن ندرك أننا سوف نكون محل استهداف وتخطيط أصحاب المصالح والنفوس الضعيفة ممن يواليهم؛ فالمواقف الثابتة والقيم النبيلة والمبادئ الراسخة كانت ومازالت تتعارض مع أطماع قوى الشر التي تقودها الآلة الصهيونية والتي ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنها وراء كل شر في هذه الأرض، فهم لا يفتأون يثيرون الفتن ويكيدون الدسائس للوصول إلى مبتغاهم وغاياتهم؛ فلنحذر أيما حذر ولنصُن وطننا العظيم من كيد الكائدين وحقد الحاقدين.

ولنعلم أنه ليس المطلوب أن يتخلى العُماني عن قبيلته أو مذهبه أو موروثه، وإنما أن يعرف موقع كل ذلك في سلم الانتماء للوطن؛ فالقبيلة جزء من المجتمع الذي يشكل الوطن، والمذهب جزء من التنوع الديني الذي يؤمن به كل فرد مِنَّا. أما عُمان الوطن الكبير؛ فهي الإطار الذي يجمع الجميع تحت هذه الدولة العادلة التي تتسع لكل هذا الاختلاف وتنبذ الخلاف، فنحن نختلف في المذهب، ونعتز بالقبيلة، ونتنوع في المناطق واللهجات والعادات، لكن حين يتعلق الأمر بعُمان الوطن، يسقط كل ما دون الوطن أمام سُمُو الهُوية العُمانية.

الأكثر قراءة

z