الاستثمار الاجتماعي.. نموذج للمبادرات ذات الأثر

 

 

 

 

سهام بنت أحمد الحارثية

harthisa@icloud.com

 

 

من خلال حضوري بعض ورش العمل المصاحبة لمنتدى «الاستثمار الاجتماعي والتنمية المستدامة 2026»، لمستُ جدية الطرح ووضوح التوجه نحو الانتقال بالاستثمار الاجتماعي من المبادرات المتفرقة والمساهمات قصيرة الأجل إلى مشروعات منظمة، قابلة للتنفيذ والقياس والاستمرار، وقد عكس ذلك الدور القيادي لصاحبة السمو السيدة الدكتورة منى بنت فهد آل سعيد في تحديد مسار مركز الاستثمار الاجتماعي ورؤيته، بالتعاون والشراكة مع أعضاء مجلس إدارة المركز والفريق التنفيذي، وترسيخ مفهوم الأثر بوصفه المعيار الأساسي لنجاح أعماله.

ما يميز هذا التوجه أنه لا يتعامل مع الاستثمار الاجتماعي بوصفه عملًا خيريًا أو نشاطًا جانبيًا للشركات، بل باعتباره أداة تنموية يمكن أن تحقق قيمة اجتماعية واقتصادية في الوقت نفسه.

فالتحديات المرتبطة بالتوظيف والتأهيل والصحة والتعليم والبيئة وغيرها يمكن، عند التعامل معها بمنهج استثماري، أن تتحول إلى مشروعات مستدامة، وفرص للشركات، ومجالات جديدة أمام رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وقد أظهرت ورش المنتدى أهمية جمع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والممولين ومؤسسات المجتمع المدني ورواد الأعمال حول احتياجات محددة، بدلًا من أن تعمل كل جهة بصورة منفردة. فهذا التكامل يساعد على تقليل تكرار المبادرات، وتوجيه الموارد نحو الأولويات الفعلية، والاستفادة من خبرات كل طرف في تصميم الحلول وتنفيذها.

لكن نجاح الاستثمار الاجتماعي لا يُقاس بعدد الورش والفعاليات أو الاتفاقيات الموقعة، وإنما بما ينتج عنها من مشروعات قابلة للتطبيق، وما توفره من فرص عمل، وما تستقطبه من تمويل، وما تحققه من أثر واضح في حياة المستفيدين وفي أداء الاقتصاد المحلي.

ومن الخطوات العملية التي شهدها المنتدى تدشين منصة «مستفيد»، التي يُفترض أن تربط بين التحديات والاحتياجات المجتمعية من جهة، والمبادرات والمستثمرين والشركاء من جهة أخرى. ويمكن لهذه المنصة أن تشكل أداة وطنية مؤثرة إذا قامت على بيانات دقيقة، ومعايير معلنة لاختيار المشروعات، وآليات واضحة للتمويل والمتابعة وقياس النتائج.

ولتحقيق ذلك، ينبغي ألا تقتصر المنصة على عرض الاحتياجات والمبادرات، بل أن تشمل تحديد الأولويات في كل محافظة، وتقييم الجدوى الاجتماعية والاقتصادية للمشروعات، وربط أصحاب الأفكار بالممولين والخبرات الفنية، ومتابعة مراحل التنفيذ، ثم قياس الأثر والإفصاح عنه.

كما أن الاتفاقيات التي خرج بها المنتدى تمثل بداية مهمة، إلا أن قيمتها الفعلية ستظهر عند تحويلها إلى برامج تنفيذية تتضمن أهدافًا محددة، ومسؤوليات واضحة، ومصادر تمويل، وجداول زمنية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس؛ فالتحدي في كثير من المبادرات لا يكمن في إطلاقها، وإنما في استمرارها ومتابعتها والتأكد من تحقيقها النتائج التي أُنشئت من أجلها.

ومن المهم أن يعتمد مركز الاستثمار الاجتماعي، مؤشرات عملية لقياس أدائه، من بينها حجم التمويل الذي تم استقطابه، وعدد المشروعات التي انتقلت من الفكرة إلى التنفيذ، ونسبة استمراريتها بعد انتهاء التمويل الأولي، وعدد الوظائف والفرص الاقتصادية التي وفرتها، ومدى استفادة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال منها، إضافة إلى العائد الاجتماعي والاقتصادي المتحقق مقابل الموارد المستثمرة.

كما ينبغي أن تتكامل أعمال المركز مع فروع الغرفة ولجانها القطاعية، فكل لجنة يمكنها أن ترصد التحديات والفرص في قطاعها، بينما تستطيع الفروع تحديد الأولويات التنموية في المحافظات، ومن خلال هذا التكامل يمكن بناء قائمة وطنية لمشروعات الاستثمار الاجتماعي، بدلًا من الاكتفاء بمبادرات متفرقة لا يجمعها إطار مُوحَّد.

ولا تقتصر أهمية هذه التجربة على مركز الاستثمار الاجتماعي وحده، بل يمكن أن تقدم معيارًا لبقية مبادرات الغرفة ومراكزها ولجانها؛ فمن الضروري أن تُدار المبادرات الأخرى بالجدية نفسها، وأن تكون لها أهداف معلنة وخطط تنفيذ ومؤشرات أداء ونتائج يمكن قياسها والإفصاح عنها.

المبادرات التي تُطلقها الغرفة يجب أن تنعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد وعلى مصالح الشركات والمنتسبين ورواد الأعمال؛ سواء من خلال فتح أسواق جديدة، أو معالجة تحديات قطاعية، أو جذب استثمارات، أو توفير فرص تمويل، أو تطوير التشريعات والإجراءات، أو تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من النمو والوصول إلى الفرص.

ونحن بحاجة إلى الانتقال من تقييم المبادرات بعدد الاجتماعات والملتقيات إلى تقييمها بحجم التغيير الذي أحدثته. ماذا تحقق للشركات؟ ما الفرص التي تم إيجادها؟ كم مشروعًا وصل إلى مرحلة التنفيذ؟ وما الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي نتج عنه؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن توجه تصميم المبادرات وتقييمها.

إنَّ القيمة الحقيقية لمنتدى الاستثمار الاجتماعي لا تقتصر على الموضوعات التي ناقشها، بل في النموذج العملي الذي يمكن أن يقدمه لعمل الغرفة عمومًا: رؤية واضحة، وشراكات فاعلة، ومشروعات قابلة للتنفيذ، ومؤشرات تقيس النتائج. وإذا أصبحت هذه المنهجية أساسًا لجميع مبادرات الغرفة؛ فسيكون أثرها أكبر وأكثر وضوحًا في خدمة الاقتصاد الوطني والشركات ورواد الأعمال.

الأكثر قراءة

z