سهام بنت أحمد الحارثية
تُمثِّل الزيارات السامية التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى الدول الشقيقة والصديقة محطات مهمة في تعزيز مكانة سلطنة عُمان وعلاقاتها الدولية، بما تحمله من أبعاد سياسية ودبلوماسية واستراتيجية، وفي عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، أصبحت لهذه الزيارات قيمة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في قدرتها على فتح أبواب جديدة للتجارة والاستثمار وبناء الشراكات الاقتصادية.
ومن هنا تبرز أهمية الوفود الاقتصادية المصاحبة للزيارات السامية؛ فوجود رجال الأعمال وممثلي الشركات الحكومية والاستثمارية والقطاع الخاص لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مرافقة للزيارة، وإنما باعتباره أداة من أدوات الدبلوماسية الاقتصادية، ووسيلة لتحويل العلاقات المتميزة بين الدول إلى فرص ومشاريع واستثمارات وأسواق جديدة.
الزيارة السامية تفتح أبوابًا على أعلى المستويات، وتخلق زخمًا وثقة واهتمامًا قد تحتاج الشركات في الظروف الاعتيادية إلى سنوات لبنائها، ومن هنا تأتي مسؤولية المؤسسات الاقتصادية والقطاع الخاص في استثمار هذه المساحة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مُستدامة.
ولدينا في التجربة العُمانية نماذج مُهمة يُمكن البناء عليها، فخلال زيارة جلالة السلطان المعظم إلى جمهورية الهند في ديسمبر 2023، اعتمد البلدان وثيقة الرؤية المشتركة «شراكة من أجل المستقبل»، كما التقى جلالته عددًا من كبار رجال الأعمال الهنود، وحثهم على استكشاف الفرص الاستثمارية الواعدة في سلطنة عُمان والاستفادة من مزاياها التنافسية. وتكشف الأرقام عن أهمية السوق الهندية للاقتصاد العُماني؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين سلطنة عُمان والهند نحو 7 مليارات دولار في عام 2024، كما أشارت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار إلى أنَّ الزيارة السامية أرست أساسًا لتوسيع التعاون الاقتصادي وفتح آفاق جديدة للشراكات التجارية والاستثمارية. وهذا نموذج لما يمكن أن توفره العلاقة السياسية رفيعة المستوى من إطار أوسع للعمل الاقتصادي، ليأتي بعد ذلك دور المؤسسات والشركات في تحويل هذا الإطار إلى تجارة واستثمار وشراكات فعلية.
وتقدم زيارة جلالة السلطان المعظم إلى مملكة هولندا في أبريل 2025 نموذجًا آخر أكثر تخصصًا، إذ التقى جلالته رؤساء عدد من الشركات الهولندية الكبرى ورجال الأعمال، وتركزت المناقشات على قطاعات الموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة البحرية والصناعات الكيميائية والطاقة المتجددة والمجالات الزراعية والغذائية. وخلال الزيارة، وقعت سلطنة عُمان وهولندا ثلاث اتفاقيات مرتبطة بالطاقة، من بينها اتفاقية لتطوير ممر للهيدروجين المسال يربط سلطنة عُمان بهولندا وألمانيا، إلى جانب التعاون في البنية الأساسية لنقل الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون، والشراكة مع شركة Royal Vopak الهولندية.
واللافت أنَّ المشروع لم يقتصر على مذكرة تعاون عامة، بل شاركت فيه 11 شركة من سلطنة عُمان وهولندا وألمانيا تغطي حلقات مختلفة من سلسلة القيمة، من الإنتاج والتسييل إلى النقل والتخزين وإعادة التحويل إلى غاز، مع استهداف استقبال الهيدروجين المسال القادم من سلطنة عُمان في أمستردام عام 2030.
هذه النماذج توضح حجم الإمكانات التي يمكن أن تتيحها الزيارات رفيعة المستوى عندما تلتقي الدبلوماسية بالفرصة الاقتصادية، وتتكامل المؤسسات الحكومية مع القطاع الخاص والشركات القادرة على التنفيذ.
وتعظيم العائد الاقتصادي من الزيارة يبدأ قبل إقلاع الطائرة؛ فالتحضير الاقتصادي ينبغي أن ينطلق من دراسة الدولة المستهدفة، وتحديد القطاعات ذات الأولوية والفرص التي يمكن أن تحقق قيمة مضافة للطرفين. ويشمل ذلك تحديد الفرص الاستثمارية التي يمكن عرضها، والمنتجات والخدمات العُمانية القابلة لدخول السوق، والتقنيات والخبرات التي يمكن استقطابها، والمشاريع التي تبحث عن مستثمرين أو شركاء، والشركات الأجنبية التي يمكن بناء علاقات معها، وعلى أساس هذه الفرص يتم اختيار الوفد الاقتصادي.
وأرى أن معيار المشاركة ينبغي ألا يكون حجم الشركة أو شُهرتها فقط، وإنما مدى ارتباطها بالفرص المستهدفة وقدرتها على تحويل اللقاء إلى مشروع أو عقد أو شراكة؛ إذ قد تكون هناك مؤسسة عُمانية متوسطة تمتلك منتجًا قابلًا للتصدير، أو شركة تقنية ناشئة تحتاج إلى شريك دولي، أو مصنع عُماني قادر على دخول سلسلة توريد عالمية إذا أتيحت له العلاقة المناسبة، وبهذا تصبح المشاركة الاقتصادية أكثر تنوعًا، وتصل فوائد العلاقات الدولية إلى قاعدة أوسع من القطاع الخاص.
وفي المقابل، فإن وجود وفد اقتصادي دون برنامج أعمال واضح قد يُقلِّل من القيمة الممكنة للمشاركة، لذلك من المهم أن يصل كل مشارك وهو يعرف مُسبقًا الشركات التي سيلتقي بها، والفرص التي سيناقشها، والنتائج التي يسعى إلى تحقيقها. وهنا يمكن أن يكون لغرفة تجارة وصناعة عُمان والمؤسسات المعنية بالاستثمار والتجارة دور مهم في إعداد الشركات، وربطها بنظرائها، وترتيب اللقاءات الثنائية المباشرة، فالهدف ليس زيادة عدد اللقاءات، وإنما رفع جودتها، فقد يكون اجتماع واحد بين شركتين لديهما مصلحة واضحة أكثر قيمة من عشرات اللقاءات العامة.
وعندما تنتهي الزيارة، ينبغي ألا ينتهي معها العمل الاقتصادي؛ فمذكرات التفاهم واللقاءات والاتفاقات الأولية تحتاج إلى متابعة مؤسسية تحولها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. ومن هنا تأتي أهمية وجود آلية متابعة واضحة لكل زيارة، تتضمن الفرص التي تمت مناقشتها، والجهة أو الشركة المسؤولة عن متابعتها، والمرحلة التي وصلت إليها، والتحديات التي قد تعيق تنفيذها.
ويمكن مراجعة النتائج بعد ستة أشهر، ثم بعد اثني عشر شهرًا، بحيث يتشكل مع الوقت سجل اقتصادي واضح لكل زيارة، يرصد الاستثمارات التي تحققت، والعقود التي أبرمت، والأسواق التي دخلتها الشركات العُمانية، وفرص التصدير التي فُتحت، والشراكات التي انتقلت من التفاهم إلى التنفيذ.
ولا يعني ذلك اختزال القيمة السياسية والاستراتيجية للزيارات السامية في أرقام تجارية؛ فهذه الزيارات أوسع وأعمق من ذلك، وإنما المقصود هو تعظيم الاستفادة من البعد الاقتصادي المصاحب لها.
ولدينا في سلطنة عُمان اليوم شركات حكومية كبرى، وجهاز استثماري، وقطاع خاص متنوع، وغرفة تجارة وصناعة، ومؤسسات معنية بالاستثمار والتصدير، ومناطق اقتصادية وحرة، إلى جانب شركات عُمانية لديها طموح متزايد للوصول إلى الأسواق العالمية، والفرصة تكمن في جمع هذه الإمكانات ضمن منظومة اقتصادية متكاملة حول كل زيارة ذات بعد اقتصادي.
لذلك، ليس المطلوب وفدًا أكبر، وإنما وفدًا أكثر ارتباطًا بالفرص، وليس المطلوب عددًا أكبر من الاتفاقيات، وإنما نسبة أكبر منها تنتقل إلى التنفيذ، وليس المطلوب فقط فتح الأبواب أمام المستثمرين الدوليين للدخول إلى عُمان، وإنما أيضًا مساعدة الشركات العُمانية على الخروج إلى العالم.
وبهذه الرؤية، تصبح الزيارة السامية نقطة انطلاق لمسار اقتصادي يبدأ قبلها بوقت كافٍ، ويتسارع خلالها، وتظهر نتائجه بعد العودة.
إن ما تتمتع به سلطنة عُمان من علاقات دولية متوازنة وموثوقة يمثل رصيدًا وطنيًا بالغ القيمة، وتحويل جانب من هذا الرصيد إلى استثمارات وتجارة ونقل معرفة وتقنية وفرص للشركات العُمانية يعزز دور الدبلوماسية الاقتصادية في دعم أهداف التنويع والنمو. وهنا تتكامل الأدوار بوضوح، فالقيادة تفتح الأبواب، والمؤسسات تهيئ الفرص، والقطاع الخاص يحولها إلى أعمال، والمتابعة تحول الاتفاقات إلى نتائج.
وبهذا المفهوم، لا يكون الوفد الاقتصادي المصاحب للزيارة السامية مجرد وفد مرافقة، بل جزءًا أصيلًا من الدبلوماسية الاقتصادية لسلطنة عُمان؛ فالقيمة الحقيقية لا تكمن فقط في الوصول إلى الأسواق، وإنما في قدرتنا على تحويل ما تفتحه العلاقات الدولية من أبواب إلى استثمارات وصادرات وشراكات ونمو مستدام يعود أثره على الاقتصاد الوطني.
