د. مرتضى بن جمعة الخائط
حينما نتحدَّث عن الاستثمار غالبًا ما يكون السؤال الأول المطروح هو: كم استطعنا أن نجذب؟ وهو سؤال مهم بلا شك، لكنني أعتقد أنَّ هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية وربما سيكون أكثر أهمية في المرحلة المقبلة وهو: ماذا سيضيف هذا الاستثمار للاقتصاد العُماني بعد أن يبدأ العمل؟
إن نجاح الاستثمار لا يقاس فقط بحجم رأس المال الذي يدخل البلد، وإنما بما يتركه وراءه من فرص عمل، وخبرات ومهارات وموردين محليين وشركات قادرة على النمو والمنافسة.
ومن هنا أرى أنَّ المرحلة القادمة في مسيرة المناطق الاقتصادية في سلطنة عُمان يمكن أن تركز بصورة أكبر على الانتقال من جذب الاستثمار إلى تعظيم القيمة المحلية التي يصنعها الاستثمار.
بحسب بيانات الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، بلغ إجمالي الاستثمار الملتزم به في المناطق الاقتصادية الخاصة والحرة والمدن الصناعية 22.4 مليار ريال عُماني بنهاية عام 2025، بزيادة 6.8% عن عام 2024، فيما بلغت الاستثمارات الجديدة خلال العام نحو 1.4 مليار ريال. كما وفرت هذه المناطق 4,467 فرصة عمل للعُمانيين خلال عام 2025، متجاوزة المستهدف البالغ 2,500 فرصة.
هذه أرقام إيجابية، لكنها في رأيي يجب ألا تكون نهاية القصة، بل بداية لقياس أعمق. فبعد معرفة حجم الاستثمار وعدد الوظائف، يمكن أن نسأل: كم قيمة محلية تولدت من هذا الاستثمار؟
أقترح هنا التفكير في مفهوم يمكن تسميته «مؤشر القيمة المحلية للاستثمار». وهو لا ينظر إلى حجم المشروع فقط، وإنما يقيس جوانب أخرى مثل نوعية الوظائف، وحجم التدريب، ونقل المعرفة، والمشتريات من الشركات العُمانية، وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وفرص الابتكار، ومدى ارتباط المشروع بسلاسل الإنتاج والخدمات داخل السلطنة.
وهنا يصبح حجم الاستثمار جزءًا من الصورة، وليس الصورة كلها. فقد يكون هناك مشروع كبير من الناحية المالية، لكنه محدود الارتباط بالمؤسسات المحلية، بينما يستطيع مشروع آخر أن يخلق شبكة من الموردين والشركات والمهارات والمعارف حوله، فتكون فائدته الاقتصادية أوسع مما يظهر في قيمة الاستثمار نفسها.
ومن المسارات التي أراها قابلة للتطبيق أيضًا إنشاء «خريطة استثمار ومهارات». فعند الإعلان عن مشروع كبير، يمكن منذ المراحل الأولى تحديد الوظائف والمهارات التي سيحتاجها خلال السنوات القادمة، ثم ربط هذه الاحتياجات بمؤسسات التعليم والتدريب، بحيث يبدأ إعداد الكفاءات قبل التشغيل، لا بعده. وبهذا يصبح التدريب جزءًا من تصميم الاستثمار وليس استجابة متأخرة له.
وفي السياق العُماني، يمكن البناء على المُبادرات القائمة لربط الموردين المحليين بالمصانع والمشروعات، وتوسيع هذا الربط ليشمل التدريب والمهارات والمعرفة. فبدل أن نربط المستثمر بالمورد فقط، لماذا لا نربطه أيضًا بمؤسسة التدريب والكلية والشركة العُمانية الناشئة ومراكز الابتكار؟ عندها تتحول المنطقة الاقتصادية من تجمع للمشروعات إلى منظومة متكاملة للإنتاج والتعلم.
ومن واقع اهتمامي بالموارد البشرية ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل، أرى أن الإنسان يجب ألا يأتي في نهاية سلسلة الاستثمار، وإنما يكون حاضرًا في تصميمها منذ البداية. فكل مشروع جديد لا يمثل فرصة للتوظيف فقط، بل فرصة لبناء خبرات جديدة يمكن أن تنتقل لاحقًا إلى قطاعات أخرى في الاقتصاد.
وهذا يقود إلى فكرة أوسع: لماذا لا تكون بعض المناطق الاقتصادية «مختبرات للقيمة المحلية»؟ بحيث يتم اختيار عدد من المشروعات، وقياس أثرها بصورة دورية في التدريب، والوظائف النوعية، والمشتريات المحلية، وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ونقل المعرفة. وإذا أثبتت التجربة نجاحها، يمكن توسيعها تدريجيًا لتشمل بقية المناطق.
لقد قطعت سلطنة عُمان شوطًا مهمًا في بناء بيئة جاذبة للاستثمار، وتؤكد الأرقام حجم هذا التقدم. لكنني أعتقد أن المرحلة القادمة تحتاج إلى سؤال مختلف: ليس فقط كم استثمارًا استطعنا أن نجذب، بل كم قيمة استطعنا أن نصنع منه؟
فحين يتحول رأس المال إلى مشروع، والمشروع إلى معرفة، والمعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى شركات وفرص وقيمة محلية، يصبح الاستثمار أكثر من رأس مال يدخل الاقتصاد؛ يصبح أداة لبناء الإنسان، وتعميق الاقتصاد، وتعزيز تنافسية عُمان واستدامة نموها.
