للفشل طاقة معطلة (6)

"كيف تنشأ الجرثومة الخفية لتُعَطّل طاقة جمعية"
حمد الناصري


عندما تقع المجتمعات في أسر الأزمات الوجودية، لا يتوقف احتباس القُدرات عند حدود العجز الفردي، بل يتحَوّل إلى سُلوك جماعي ينهش في عصب البقاء المادي؛ إذ ينكشف هذا الاستنزاف في البناء الحركي لرواية "الوادي الصغير" للكاتب نفسه حمد الناصري، في تجلي ذلك المشهد النثري الحاسم حين صرخ رجل أحمر الوجه مؤيداً ما قبله: (الماء نعمة، فلماذا نتفوّه بالحماقات والتفاهات ونحمل الآخرين وزر حماقاتنا وسخافاتنا؟! لماذا لا نُفكر في حياة تحمي لنا أموالنا، ومواردنا، وتحفظ لنا مكانتنا؟ ثم ما الذي يضيركم لو اقتسمتم الماء مع عبد الأعلى وجماعته).
ويُعاضد هذا المشهد التراجيدي ما يطرحه الباحث السوسيولوجي العُماني مبارك بن خميس الحمداني في مقالته التحليلية المنشورة بجريدة عُمان في مارس 2026م حول "المجتمع أمام اختبار المناعة والمرونة الفكرية"؛ من أنّ غياب الوعي التشاركي في إدارة الموارد وصناعة القرارات الجمعية وقت الأزمات، يصيب البناء الحركي للمجتمع بـ 'جرثومة الاتكالية' وتوجيه اللوم للآخر، مما يستنزف الطاقات المشتركة ويعيق حركتها نحو النهوض.

إنّ هذا المشهد يوضح كيف يبدأ نشوء الجرثومة الخفية في وعي المجتمعات؛ حين تخرج قوى الجماعة عن فطرتها الحركية المُنتجة، وتنكفئ على ذاتها في أوقات الأزمات، حيث يتحَوّل الهدر النفسي من عجز فردي عابر إلى شلل جمعي حاد يمتص طاقة البقاء من مركزها. 

وخطورة هذا التسلل تكمن في تفضيل السجال اللفظي والترهات الجدلية على حساب الفعل المادي لسيرورة الحياة؛  وهو ما يتناغم تماماً مع أطروحة الفيلسوف الفرنسي "غاستون باشلار" (Gaston Bachelard) الصادرة عام 1938م في كتابه "تكوين العقل العلمي"، والذي نقله إلى اللسان العربي المترجم الدكتور خليل أحمد خليل في طبعته الصادرة عن المؤسسة الجامعية للدراسات عام 1982م؛ حيث يُبرهن باشلار أنّ الوعي البشري يُصاب بالاحتباس والركود حين يستبدل العمل الحركي بالهباء اللفظي وقت الخطر، الأمر الذي يحَوّل الموارد الحية إلى وعاء للمخاوف والشتات.

وهذا التراجع يلتحم مباشرة مع ما فككه العلامة ابن خلدون عام 1377م في كتابه 'المقدمة'، وتحديداً في تحليله لعوارض الهرم الاجتماعي وسقوط الهمة؛ حيث تفرغ الجماعة وقودها الجمعي في مستنقع لوم الآخرين والتنصّل من المسؤولية الذاتية، ليتحوّل هذا الندم التراكمي إلى سقم ممتد يترك ندوبًا نفسية تشبه الظل الذي يلاحق صاحبه ويطمس بصيرته عن جني المنافع الواقعية، مما يحول البنى الجمعية المحلية إلى بيئة مستهلكة لطاقتها الحيوية، الأمر الذي يجعلها عاجزة في العُمق عن استثمار ملكاتها الكامنة. 


 إنّ هذه الإشارات النصية والفلسفية تُفند حقيقة واقع الفشل المُعَطّل وجرثومة لوم الآخرين؛ إذ لا تَغني الحماقات والمُهاترات شيئاً في مُواجهة العثرات بل تكرّس ركودها.

 ولذا، فإنّ انبعاث الطاقة الجمعية يتطلب صناعة عزمٍ حيّ يقطع دابر التردد، ويَقظة حركية تسترشد ببرهان إيماني قطعي في المُحكم القرآني العظيم؛ حيث يستأصل النص الإلهي دابر الوهن النفسي والارتداد الحزين الذي يمتص وقود العُمر ويشلّ الحركة، واضعاً القانون الأعلى لانبعاث الهِمّة الجمعية في قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران: 139). 

ويتآزر هذا التأصيل مع أطروحة المفكر الجزائري مالك بن نبي عام 1948م في سفره الخالد 'شروط النهضة'؛ إذ يرى أنّ عجز المجتمعات ينشأ من باطنها عندما تستسلم لثقافة الشكوى ولوم الظروف وأنّ تحرير الطاقة الجمعية لا يتحقق إلا بإيقاظ الفاعلية الحركية الواعية التي تستلهم من اليقين الروحي وقوداً للإنتاج المادي الفعلي في واقعها المعاش.

وهُنا، تتطابق هذه الأطروحة بجوهرها وبفعل طاقتها الخفية مع مُقتضى البيان الإلهي؛ ولذلك فإنّها تتأسس على تفكيك جذري لمفهوم العجز البشري، لنعلن من خِلالها أنّ الأزمات العابرة والنائبات المُفاجئة لا تملك بذاتها سُلطة قادرة على كسْر الإرادة الإنسانية. فالفشل ـــــ كما نراه ـــــ كائن طُفيلي، لا ينمو إلا في مناخات الضعف، ولا يتغذى إلا على الوهن التراكمي الذي يتسلل إلى باطن الوعي ليعطّل الإدراك، ويشلّ حركة الفِعل الفردي والجمعي على حد سواء. 

وإنّ تفكيك عوارض هذا العجز يؤكد أنّ الأزمات الخارجية والنائبات الطارئة لا تُشَكل عائقًا حقيقياً في مسيرة المجتمعات إلا إذا صادفت بيئة داخلية مُستسلمة للوهن، مما يقطع بأنّ تحصين الوعي الباطني هو الخطوة الأولى والأهم لاستعادة حيوية الفِعل الحركي وكسر شلل الإدراك.

خُلاصة القول: إنّ تحرير الطاقات الجمعية لا يَمُر عبر الاستسلام لعثرات الندم والتنصّل من المسؤولية، بل يتحقق بوعي دافع يُحَوّل الفشل المُعطل الكائن في داخل الإنسان إلى مُنْشِطٍ وجودي فاعل ومُحرر ذاتي، وإلى مَنْشَطٍ حركي يستنهض الوعي والإدراك، ليصبح وعاء يُقوي فيهما الحِس الضامن لكبح الجرثومة الخفية التي تشلّ الحركة، وميدان عمل واقعي مادي، مُكوّنًا قُوة تكسر الندم وتطرد الخوف من بواطن البناء الفعلي، فيتحقق بذلك تحرير الطاقة الكامنة في الذات، وتنطلق القُدرات نحو هيبة الفِعل الحقيقي والنجاح المتجدد.
وهذا التحوّل الجذري في بنية المجتمع، والانتقال به من حالة الركود وحبس الطاقات إلى حالة الفاعلية الحركية، يتحقق بصناعة ذلك الوعي الباطني الدافع الذي يكسر قيود الخوف والندم الجمعي، ويُحوّل عثرات الفشل الاجتماعية إلى مُنْشِطات وجودية فاعلة ومُحرّكة للنشاط والحيوية؛ تَنأى بالأفراد عن الانكفاء عند نقطة الصّفر، وتَبُثّ فيهم حركة الالتزام المُجتمعي والواقعي في واقعهم المُعاش. 
*هذه السلسلة الفكرية من ضمن أطروحة الكاتب: "للفشل طاقة معَطّلة".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z