للفشل طاقة مُعَطّلة (8)

 

"طاقة العزلة تحبس الطمأنينة في وعاء الفشل"
 حمد الناصري
إنّ الانكسار النفسي ليس إحباطاً عابراً، بل هو شرخ باطنيّ يفتح أبواب العِلل، والتواري الصامت؛ ومكمن خطورته التوهّم والانكفاء على عزلة مُحتملة من خلال مخدرٍ حِسيّ يمتص رطوبة العقل ويُوهم الذات بالأمان المزيف، مُعطّلاً الطاقات الكامنة والقدرات الحركية نحو انكماش حادّ وسلبيةٍ مُوصلة إلى خيبات الوعي. فتسعى الجرثومة الخفية إلى إسقاطه بخيباتٍ مُتواترة، فتسوقه إلى توهّمٍ لا واقيَ أمان له، أو تتركه خاوياً من الأمان الحسي.

وهذا الهروب الطوعي الصامت ليس حلاً حقيقياً، بل هو استسلامٌ لآليات الركود، وهو ذاته العائق السلوكي الذي التقطه الباحث السوسيولوجي العُماني الراحل الدكتور شُبّر بن شرف الموسوي في دراساته النفسية والاجتماعية حول تراجع الفاعلية الذاتية والمنشورة ضِمن دراسته الأكاديمية الصادرة عام 2009م حول أثر التغير الاجتماعي فـي سلطنة عُمان؛ بقوله: "إن هروب الفرد وانكفاءه على ذاته إثر الأزمات ليس حلاً، بل هو استسلامٌ لآليات الركود التي تعزل قواه الحيوية عن محيطها المنتج، مما يحول العزلة الطوعية من جدار حمايةٍ موهومٍ إلى سجنٍ نفسي حقيقي يجهض إمكانات النهوض والبناء".

وتعقيباً على قول الدكتور شُبّر الموسوي في تلك الأطروحة السلوكية الرائدة، نرى أنّ الركون إلى هذا الفشل الموهوم يُغذي الجرثومة الخفية، فتتحول العزلة من انكفاء مُؤقت إلى نقيصة ركودٍ ـــــــ إذا صَحّت العبارة ــــــــ فتمتص فاعلية العقل.

ويتناظر هذا الانسحاب النفسي في بيئتنا العربية مع ما شرحه عالم النفس والأكاديمي اللبناني الدكتور مصطفى حجازي في كتابه "التخلف الاجتماعي: سيكولوجية الإنسان المقهور" الصادر عام 1976م بقوله: "إن الانسحاب من مجابهة الواقع والالتجاء إلى الانكفاء الذاتي هو حيلة دفاعية يائسة يلجأ إليها الوعي المأزوم؛ وهي عزلة تعطل طاقة البدن وتشل الحواس وتعمق عجز الإنسان الفعلي عوضاً عن حمايته".

 ونقول تأكيداً لهذا التشريح المعرفي: إنّ لجوء الإنسان إلى المُخدر الحِسي لا يَحميه من عثرات الفشل، بل تنكفئ طاقته وتحبس الطُمأنينة في وعاء الفشل.

فالطاقة وقود حيويّ أمانَه الحقيقي الفِعل المادي لسيرورة الحياة؛ وتتلاقى نظريتنا في الطاقة المُعطلة مع المقولات الجوهرية في أطروحة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) حول الانعزال ومسؤولية الفِعل المادي، والتي نقلها إلى العربية المترجم والروائي اللبناني الدكتور سهيل إدريس عبر أدبيات الفلسفة الوجودية الصادرة عن دار الآداب البيروتية؛ حيث يتناغم طرحه الوجودي مع هذا السياق مُبَيّناً أنّ الانكفاء والتواري خلف الجدران الصامتة بحجة الانفلات هو محض وهم وخيار زائف؛ فالإنسان يحبس حقيقته وطاقته الفاعلة فور أنْ ينعزل عن حركة الفِعل ومواجهة الآخرين، لذلك فإنّ العزلة السلبية هي وعاء الفشل الذي يُبطل السعي الحركي.

وذلك لأنه إذا ما انزلقت الجرثومة الخفية الكامنة في الذات إلى مُنزلقٍ تدميريّ خفيّ، وإذا ما بلغت حدّ الاحتباس المُعَطّل في ذروة طاقة الفشل، بأبشع صُوَرها الكامنة في طاقة النفس المحبوسة؛ تُصبح طاقة تدمير ذاتية وتكون قوة تعطيل وجوديّ صِرف. وكيف ذلك؟ 

نقول: إنّ السّقم الحِسي له واقع مشهود يُجسّده واقع فاجعة شابّ ألقىَ بنفسه من أعلى قِمّة جبل شاهق بسبب ضائقة الحال؛ وهذا الارتداد الحاد ليس فِعل قوة، بل هو وهْن وضعف لا عزم به، وهو انهيار قصِيّ واقعٌ تحت وطأة ظلامية الوعي؛
 
ذلك أنّ الجرثومة الخفية قد عطّلت كائناً بشرياً بكامل عقله وحواسّه المُكرّمة في التنزيل الحكيم، وقد تخلّى هُو عن ذلك التكريم لينسحب إلى تقزيم جسَد الكرامة وتدمير الروح المُطهرة، مُحَوّلاً إياها إلى عجز مُطبق على فشل مُعطّلٍ.

وفي الفلسفة القديمة في عهد الإغريق الأوائل، نجد لهذا السلوك المُدمّر جذوراً ضاربة، حيث أسس الفيلسوف اليوناني أرسطو في كتابه "السياسة" القاعدة القطعية بأنّ الإنسان كائنٌ اجتماعيّ بالطبع، ولا يستقيم وجوده إلا بالحركة المُتبادلة؛ 
بيد أنّ الجرثومة الخفية تُفرز سمومها حين تدفع الفرد لعزل نفسه إثر الفشل، فتسلبه حواسه وطبيعته الإنسانية المُنتجة وتقذفه إلى غياهب الجمود الفكري والانغلاق الحسي.

ويتطابق هذا الحصار النفسي بدقة حركية مُذهلة مع البُرهان الكوني الأعلى في المُحكم القرآني العظيم؛ إذ يُشَخّص النص الإلهي ذروة احتباس الطاقة وبلوغ الفرط المُعطل في قوله تعالى: {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} (سورة التوبة: 118).

وهذا البيان الإلهي يَسْبر بواطن العزلة المُقيتة حين يُحبس وعي الإنسان داخل وعاءٍ ضيّق، فيضيق عليه الحال بما رَحُبت، الأمر الذي يصنع في داخله ركوداً حِسّياً تاماً يشلّ حركة السعي والعزم.

ومن مُنطلق أطروحتنا الفكرية في الطاقة المُعطلة نقول: إنّ الفشل المُعطل بسبب الجرثومة الخفية ليس ملاذاً لحماية الوعاء المُتمثل في العزم أو في الإرادة الذاتية، بل هو عُزلة نفسية تحبس الطُمأنينة في وعاء طُفيلية الفشل؛ 
وهو عين الاعتلال النفسي الجسدي الذي يُرسخه الحكيم والطبيب الفيلسوف ابن سينا عام 1025م في سَفره العظيم "كتاب القانون في الطب"؛ إذ يُثبت حِسياً أنّ ملازمة الظُلمة والغمّ والوِحْدة قد تمتص الرطوبة الغريزية وتسلب طاقة البدَن من قوتها، وتُحَوّل الجسد إلى سَقمٍ دائمٍ ومُسْتمر، ثم يكون حُطاماً، مُنكفأً ومُنكسراً مهيض الجناح.

وهذا السُقوط الفاشل يتلاحم في الكفة الحديثة مع ما فككه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عام 1927م في كتابه المترجم "الكينونة والزمان"؛ حيث يُبرهن أنّ الإنسان حين يعجز عن مواجهة صدمة العالم، يهرب طوعاً إلى وعاء العزلة، فيسقط في حالة الوجود الزائف المنكفئ، حيث تبتلع الوحدة همّته وتطمس بصيرته.

خُلاصة القول: إنّ كسْر طوق الانكفاء السلبي لا يتحقق بالاستسلام بظلامية صامتة، بل بانتفاضة وَعْي حركيّ تقتلع الأوهام من باطن النفس؛ فالانعتاق من أسْر العزلة يَفرض مُجابهة حاسمة مع الأزمات المُعطلة بأسبابها، وليس هناك قوةٌ دافعة لاسترداد الطاقة الكامنة من وهْدَة الفشل المُعَطّل والخروج من مُستنقع العجز، واسترجاع القوة الداخلية المدفونة.


*هذه السلسلة الفكرية من ضمن أطروحة الكاتب: "للفشل طاقة مُعطّلة".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z