طريق اللبان

 

 

د.سليمان بن عمير المحذوري

abualazher@gmail.com

احتضنت محافظة ظفار ملتقى جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على مدار ثلاثة أيام خلال الفترة 24 إلى 26 أغسطس، وقد دأبت الجمعية على عقد لقاءاتها بشكل سنوي منذ تأسيسها عام 1997م موزعة على العواصم والمدن الخليجية. وتمثل هذه الجمعية مظلّة خليجية علمية وثقافية تضم كوكبة من العلماء والباحثين والمختصين في مجالي التاريخ والآثار عبر سلسلة من المُلتقيات يُناقش فيها أوراق عمل رصينة، وبعد تحكيمها تخرج في صورة إصدارات مُهمة للبحث العلمي.

وفي هذا العام حطت الجمعية رحالها في محافظة ظفار باستضافة كريمة من وزارة التراث والسياحة لها كل الشكر وعظيم الامتنان على جهودها وتبنيها لهذا الحدث المهم والاستثنائي الذي يأتي ضمن سياحة المؤتمرات التي تُسهم في تنشيط السياحة، وتعزيز الاقتصاد الوطني بالتوازي مع رؤية عُمان 2040، والشكر موصول إلى جميع اللجان القائمة على نجاح هذا الملتقى.

 وما يعنيني هنا في هذا المقام الموضوعات والأفكار ذات الصلة بتاريخ عُمان عمومًا ومُحافظة ظفار على وجه الخصوص التي تُسلط الضوء على المكان والزمان والإنسان، ولا شكّ لدي أننا بحاجة إلى استثمار هذا الإرث الحضاري، والبناء عليه بما يُفيد أجيال عُمان حاضرًا ومستقبلًا. ولا يكاد يخلو أي ملتقى أو مؤتمر يتناول تاريخ ظفار ومكانتها الحضارية من ذكر لشجرة اللبان التي تمثل بعدًا حضاريًا للمنطقة منذ العصر الحجري الحديث وحتى اليوم. ولا يختلف اثنان على أنّ اللبان يُعد المحرك الأساسي للنشاط التجاري؛ إذ يتم نقله من الجبال بقوافل الجمال إلى الموانئ الساحلية مثل سمهرم والبليد وريسوت ومرباط، ومن ثم تصديره إلى حوض البحر المتوسط، والبحر الأحمر، وبلاد ما بين النهرين، والهند، والصين، ونتيجة للدور الحضاري لتجارة اللبان بصفتها جسرًا للتواصل بين حضارات العالم القديم؛ أدرجت اليونسكو مواقع أرض اللبان مثل شصر، وخور روري، ووادي دوكة ضمن قائمة التراث العالمي.

وتأسيسًا على ذلك فإنِّه يُمكن تبني مشروع وطني متكامل باسم "طريق اللبان"؛ وذلك بالاستفادة من الرمزية التراثية والبعد الاقتصادي لشجرة اللبان. يتضمن المشروع توظيف الميزات النسبية للمحافظة مثل المخزون الجوفي من المياه، ووفرة الثروة الحيوانية والسمكية، والاكتشافات الأثرية، والمناخ الفريد، إضافة إلى التنوع الجغرافي والطبيعي، وبالتالي لملمة الجهود المتناثرة واستثمار كل هذه المقومات في صناعة اقتصاد متنوع ومستدام في محافظة ظفار.   

خلاصة القول إن الرصيد التاريخي ليس تراثًا فحسب؛ إذ يُمكننا الاتجاه إلى التاريخ التطبيقي؛ وذلك بالاستفادة من نتائج البحوث النظرية الاستقصائية التي تتسم بالعمق المعرفي لحل المشكلات الراهنة، واستشراف المستقبل من خلال توظيفها في تطبيقات عملية من أجل صناعة قرارات مدروسة في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها.

  

 

الأكثر قراءة

z