الازدهار بالإرساء (3)

لماذا يحتاج الاقتصاد إلى قطاعات مرساة؟


 

علي بن محمد بن جمعة اللواتي

بدأتُ هذه السلسلة بسؤالين مترابطين: كيف نزيد القيمة التي يخلقها المال داخل الاقتصاد، وما الذي يمنح الاستثمار سببًا لاختيار سوق معينة؟ وينتقل هذا المقال إلى سؤال ثالث: أي القطاعات يستطيع نجاحها أن يحرّك قطاعات أخرى؟

وتأتي مقالات هذه السلسلة في إطار مفاهيمي وتوصيفي، يحاول تشخيص بعض الجوانب العامة للنشاط الاقتصادي، ولا يهدف إلى تقديم دراسات قطاعية أو تقارير إحصائية تفصيلية. وما يرد فيها من قطاعات وتجارب إنما يُستخدم لتوضيح الفكرة واختبارها؛ ومن ذلك السياحة العائلية في هذا المقال، التي تُطرح بوصفها مثالًا محتملًا، لا حكمًا بأنها القطاع المرساة الأفضل أو الوحيد. فقد توجد قطاعات أخرى أكثر قدرة على أداء هذه الوظيفة، لكن تحديد ذلك يحتاج إلى بيانات ودراسات قطاعية ومقارنات تتجاوز الغرض المفاهيمي للمقال.

كثيرًا ما تُعِدّ الدول قوائم طويلة للقطاعات الواعدة: السياحة، والصناعة، واللوجستيات، والتقنية، والزراعة، والتعدين، والطاقة، والعقار، والخدمات المالية. وقد يكون لكل قطاع منها مبرراته وفرصه، لكن التعامل معها جميعًا بالدرجة نفسها من الأولوية قد يؤدي إلى توزيع الجهد والموارد والاهتمام المؤسسي، دون أن تتكون في أي منها الكتلة الاقتصادية الكافية للانطلاق.

المشكلة ليست في تعدد الطموحات، بل في غياب الترتيب بينها؛ فالاقتصاد- خصوصًا في الأسواق الصغيرة- لا يستطيع دائمًا بناء جميع القطاعات بالتوازي. بعض الأنشطة تحتاج إلى طلب لم يتشكل بعد، وبعضها ينتظر مهارات أو خدمات أو مُورِّدين لا يجدون بدورهم سببًا كافيًا للدخول. وقد تنتهي الدولة إلى بنية جيدة ومشروعات متفرقة، لكن من دون حركة اقتصادية قادرة على تغذية نفسها.

لهذا نحتاج إلى التفكير في القطاعات المرساة: القطاعات التي لا يقتصر أثر نموها على داخلها، بل تمنح قطاعات أخرى سببًا للنشوء والتوسع.

ليس الأكبر؛ بل الأكثر قدرة على التحريك.

لا يعني القطاع المرساة بالضرورة أكبر القطاعات استثمارًا أو إنتاجًا، بل الأقدر على توليد طلب واسع وتحريك الأنشطة المكملة. فقد يكون قطاع ما ضخمًا لكنه يعمل كجزيرة منفصلة، بينما يكون قطاع أصغر حجمًا أكثر تأثيرًا؛ لأنه يوزع الطلب على الشركات والعمال والموردين، ويفتح المجال أمام استثمارات لم تكن مجدية قبل نموه. لذلك لا تُقاس أهمية القطاع بحجمه وحده، بل بما يستطيع تشغيله حوله.

القطاع المرساة يخلق طلبًا متنوعًا يمكن الاعتماد عليه، ويجذب الاستثمار إلى الأنشطة المكملة، ويساعد على تراكم المهارات والخدمات، ثم يجعل نجاح كل مشروع سببًا في زيادة فرص نجاح مشروعات أخرى.

ومن هنا يظهر الفرق بين «القطاع المهم» و«القطاع المرساة». الأول يضيف إلى الاقتصاد من خلال نشاطه المباشر، أما الثاني فيعيد تشكيل حسابات قطاعات أخرى.

ولا ينبغي الخلط هنا بين المرساة والمُحفِّز؛ فالمرساة قطاع أو مشروع يولّد طلبًا مستمرًا تنمو حوله الأنشطة الأخرى، أما المحفّز فقد يكون تمويلًا أوليًا، أو تشريعًا، أو فعالية، أو خط نقل، أو شركة تطوير، أو حزمة متناسقة من هذه العناصر تكسر حالة الانتظار وتسرّع انطلاق السوق.

ولا تفترض هذه التفرقة تسلسلًا ثابتًا؛ فقد توجد المرساة منذ البداية، وقد يؤدي المشروع نفسه الوظيفتين معًا: يكون محفّزًا حين يدفع المستثمرين إلى الدخول، ومرساة حين يولّد طلبًا مستمرًا تنمو حوله الأنشطة الأخرى؛ فالتصنيف لا يتعلق بحجم المشروع أو ترتيب ظهوره، بل بالوظيفة التي يؤديها.

المُحفِّز يبدأ الحركة، أما المرساة فتمنحها مركزًا تستقر وتنمو حوله.

السياحة العائلية بوصفها مثالًا لقطاع مرساة

ويمكن أن تمثل السياحة العائلية مثالًا واضحًا لقطاع مرساة، خصوصًا في بلد يمتلك الأمان والتنوع الطبيعي والثقافي وسهولة الوصول. فالأسرة الزائرة لا تشتري غرفة فندقية فقط، بل تنفق على النقل والطعام والترفيه والتسوق والرحلات والخدمات المحلية؛ ولذلك يتوزع أثرها على شبكة واسعة من الشركات والوظائف والمشروعات الصغيرة.

لكن اختيار «السياحة» عنوانًا عامًا لا يكفي؛ فلكل فئة من الزوار احتياجات مختلفة. وإذا كانت الأسرة الخليجية، مثلًا، هي الفئة المستهدفة، فيجب أن تُبنى لها تجربة واضحة ومتكاملة، لا مجموعة مرافق متفرقة: سكن مناسب، وأنشطة عائلية، ومطاعم متنوعة، ونقل مريح، وفعاليات موزعة على العام.

وتصبح السياحة العائلية مرساة حين لا يبقى إنفاق الزائر محصورًا في الفندق، بل يمتد إلى الأنشطة المحيطة ويمنحها طلبًا يمكن الاعتماد عليه؛ فالأسرة لا تختار منشأة منفردة؛ إنها تختار وجهة بتجربتها الكاملة. وإذا نجحت التجربة، تكررت الزيارة وانتقلت إلى الأبناء والأقارب والأصدقاء، فتتكون بمرور الوقت قاعدة متجددة من الزوار، ويتسع الطلب من جيل إلى آخر.

وإذا افترضنا السياحة العائلية مرساة في هذا النموذج، فلا ينبغي النظر إلى الأسرة بوصفها زائرًا للترفيه فقط؛ فالرحلة الواحدة يمكن أن تجمع بين الإجازة والتعليم والتدريب والعلاج وحضور الفعاليات، فتزداد مُدة الإقامة ويتوزع الإنفاق على قطاعات أوسع.

يمكن، مثلًا، أن يلتحق الأبناء خلال الزيارة ببرامج صيفية قصيرة في اللغات أو التقنية أو الرياضة والثقافة، بينما يشارك الآباء في دورات مهنية أو برامج تنفيذية أو معارض ومؤتمرات. كما يمكن للخدمات الصحية المتخصصة، من الفحوصات إلى العلاج والتأهيل وبرامج العافية، أن تستقطب الزائر وأفراد أسرته معًا.

وتقدم ماليزيا وتايلاند ودبي صورًا مختلفة لهذا الاتساع؛ إذ تتقاطع السياحة مع التعليم في ماليزيا، ومع العلاج والعافية في تايلاند، ومع المعارض والمؤتمرات والفعاليات والتسوق في دبي. ولا يعني ذلك تطابق تجاربها، بل إن كل وجهة وسَّعت أسباب القدوم إليها، فلم تعد تعتمد على الترفيه وحده أو على موسم واحد من العام.

ويمكن للمشروعات العقارية المسموح فيها بالتملك للأجانب أن تؤدي وظيفة مكملة، حين تحول الزائر إلى مقيم موسمي يعود وينفق داخل السوق. أما إذا بيعت الوحدات بوصفها أصولًا وظلت مغلقة معظم العام، فإنها تستورد رأس المال مرة واحدة، ولا تستورد طلبًا مستمرًا.

بهذا المعنى، لا تقوم قوة المرساة السياحية على زيادة عدد السياح فقط، بل على توسيع أسباب الزيارة، وإطالة مدتها، وربطها بالتعليم والصحة والأعمال والعقار والخدمات المحلية. وقد يبدأ كل من هذه الأنشطة داعمًا للمرساة، ثم يصبح مرساة فرعية عندما يولّد طلبًا منتظمًا تنمو حوله أنشطة أخرى.

فجوة التنسيق: من يبدأ أولًا؟

قد تبدو عناصر هذه المنظومة واضحة، لكن كل طرف فيها ينظر إلى قراره منفردًا؛ فالفندق يريد عددًا كافيًا من الزوار قبل التوسع، وشركة الطيران تريد طلبًا مستقرًا قبل زيادة الرحلات، والمستثمر في الترفيه ينتظر ارتفاع الإشغال، ومؤسسات التدريب والصحة تحتاج إلى تدفق كافٍ من المستفيدين، بينما تنتظر الأسرة اكتمال التجربة قبل اختيار الوجهة.

كل طرف ينتظر الآخر، مع أن دخولهم معًا قد يجعل الجميع أكثر قدرة على النجاح.

هذه هي فجوة التنسيق: قد تكون المشروعات مجدية ضمن منظومة مكتملة، لكنها لا تبدأ لأن أحدًا لا يريد أن يتحمل وحده تكلفة بناء الجزء الذي سيستفيد منه الآخرون.

وهنا تظهر وظيفة المحفّز. ولا يلزم أن يكون المحفّز مشروعًا منفردًا؛ فقد يكون حزمة أولية من الاستثمارات والخدمات المتناسقة تُطلق في توقيت متقارب وتكسر حالة الانتظار بين الأطراف.

فقد أطلقت بعض الدول خطوط طيران أو شركات تطوير أو مشروعات فندقية، لكنها لم تنجح في تكوين وجهة للسياحة العائلية؛ لأن بقية عناصر التجربة لم تكن متوافرة. فخط الطيران لا يصنع وحده سببًا للزيارة، والفندق لا يكفي إذا غابت الأنشطة والفعاليات والنقل والخدمات المناسبة للأسرة.

ولا يكمن الحل في انتظار اكتمال المنظومة كلها، بل في إطلاق حدها الأدنى القابل للحياة: وصول ميسّر، وسكن مناسب، وأنشطة عائلية، وفعاليات أولية، ونقل وتسويق تعمل معًا. ثم تتوسع هذه العناصر تدريجيًا مع نمو الطلب.

في هذه الحالة لا يكون أي عنصر منفرد هو المحفّز؛ بل تكون الحزمة نفسها هي التي تحفّز السوق، لأن اجتماع عناصرها يجعل دخول المستثمرين واختيار الزوار للوجهة أكثر احتمالًا. فالقيمة لا تكمن في وجود المشروعات فقط، بل في توقيت دخولها وقدرتها على دعم بعضها بعضًا.

ولا يعني ذلك أن تدير الحكومة الفنادق أو المطاعم أو المؤسسات التعليمية والصحية والمشروعات العقارية، بل أن تقوم بوظيفة لا يستطيع المستثمر المنفرد القيام بها: جمع الأطراف حول تصور واحد للسوق، وتوضيح الالتزامات، ومعالجة الحلقات المفقودة، ومتابعة المنظومة بوصفها منتجًا واحدًا، لا قائمة من المشروعات المنفصلة

ومع نجاح الحزمة واتساع الطلب، يصبح وجود كل مشروع سببًا في نجاح مشروعات أخرى ودخولها، فتتحول الحزمة المحفّزة تدريجيًا إلى تجمع اقتصادي ينمو من داخله.

وهكذا ينتقل السؤال من: لماذا يأتي الاستثمار، وما القيمة التي يتركها نجاحه داخل الاقتصاد؟ إلى: أي قطاع إذا نجح، جعل نجاح القطاعات الأخرى أكثر احتمالًا؟

ولا تكفي المرساة وحدها لإطلاق هذه الحركة؛ فهي تحتاج إلى حزمة محفّزة تجمع الحد الأدنى من العناصر التي تجعل السوق قابلة للحياة. وعندما يصبح نجاح كل عنصر سببًا في نجاح عناصر أخرى ودخولها، يبدأ الاقتصاد في النمو من داخله.

ويبقى السؤال الذي يقود إلى المقال التالي: من يضع المرساة، ومن يجمع الحزمة الأولى؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z